لم يكن قرار مجلس الوزراء إعفاء طلاب الثانوية العامة والبكالوريا الفنية من الامتحانات الرسمية للعام الدراسي 2025 – 2026 الحدث الوحيد الذي طبع جلسة بعبدا أمس، إذ تزامن مع تطورات سياسية وأمنية متسارعة في الجنوب اللبناني تضع الدولة ومؤسساتها أمام استحقاق أكثر تعقيداً من أي امتحان مدرسي: امتحان السيادة وتثبيت الاستقرار.
ففي وقت أقرّ المجلس منح إفادات نجاح للتلامذة وفق شروط محددة، ووافق على فتح اعتماد إضافي لهيئة “أوجيرو” لتغطية فروقات الرواتب والمستحقات، كانت الأنظار تتجه جنوباً حيث تتسارع التطورات الميدانية والدبلوماسية على وقع المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية الجارية في واشنطن.
الجنوب بين النار والتفاوض
ميدانياً، استمرت الاعتداءات الإسرائيلية على المناطق الحدودية. فقد أقدم الجيش الإسرائيلي على إحراق عدد من المنازل في بلدة عين عرب بعد إنذارات وجهها إلى السكان لإخلاء البلدة، فيما استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة على طريق زوطر – ميفدون ما أدى إلى سقوط ثلاثة قتلى، وألقت مسيرة أخرى قنبلة صوتية فوق بلدة كفرتبنيت.
في المقابل، أفرجت القوات الإسرائيلية عن الراعي محمد هلال الذي كانت قد اختطفته خلال توغل في خراج إبل السقي باتجاه بلدة الماري، في خطوة عكست استمرار التداخل بين التصعيد العسكري والرسائل السياسية المرتبطة بالمفاوضات الجارية.
كما زاد منسوب التوتر تصريح قائد “فيلق القدس” الإيراني إسماعيل قاآني الذي دعا الإسرائيليين إلى “إخلاء لبنان بالكامل”، في موقف يعكس استمرار حضور العامل الإيراني في المشهد اللبناني رغم المساعي الدولية لفصل الساحة اللبنانية عن الصراعات الإقليمية.
واشنطن تضع الجيش في الواجهة
غير أن التطور الأبرز تمثل في الموقف الأميركي الذي كشف عن بدء إسرائيل الانسحاب من جزء من المنطقة العازلة التي أنشأتها داخل الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع دعوة مباشرة للجيش اللبناني إلى الانتشار الفوري في المناطق التي سيتم إخلاؤها.
ورغم نفي مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين حصول أي انسحاب فعلي حتى الآن، بحجة عدم إنجاز التفاهمات النهائية حول المناطق التجريبية التي سيشملها الانسحاب، فإن مجرد طرح هذه المعادلة يمثل تحولاً جوهرياً في مقاربة الملف الجنوبي.
فبعد أشهر طويلة من الحديث عن دور محتمل للجيش، بات المجتمع الدولي يتحدث عن دور تنفيذي مباشر للمؤسسة العسكرية اللبنانية باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على ملء الفراغ الأمني وضبط الأرض ومنع عودة التوتر إلى الحدود.
من تل أبيب إلى اليرزة
خلال المرحلة السابقة كانت إسرائيل تبرر بقاء قواتها داخل الأراضي اللبنانية بحجة غياب الضمانات الأمنية ومنع عودة “حزب الله” إلى مناطق التماس. أما اليوم، فتسعى واشنطن إلى فرض معادلة جديدة قوامها: انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل انتشار فعلي للجيش اللبناني.
هذه المعادلة تنقل مركز الثقل من طاولات التفاوض إلى الميدان. فالنجاح أو الفشل لن يُقاس بعدد الجلسات التي تعقد في واشنطن، بل بقدرة الجيش اللبناني على الانتشار وتثبيت الاستقرار وإعادة الأهالي إلى بلداتهم وقراهم الحدودية.
امتحان الدولة الحقيقي
إذا كانت الحكومة قد قررت إلغاء الامتحانات الرسمية هذا العام، فإن الدولة اللبنانية لا تزال أمام امتحان أكثر صعوبة وحساسية. فالمطلوب اليوم ليس فقط إدارة مرحلة انتقالية في الجنوب، بل إثبات أن المؤسسات الشرعية قادرة على الإمساك بالأرض بعد سنوات من الحروب والصراعات.
ولهذا السبب، لم يعد السؤال الأساسي يدور حول موعد الانسحاب الإسرائيلي أو حدود المنطقة العازلة، بل حول قدرة الجيش اللبناني بقيادة العماد رودولف هيكل على تحويل أي انسحاب محتمل إلى فرصة لاستعادة السيادة وإعادة الحياة إلى القرى الحدودية. فبين بعبدا واليرزة وواشنطن، بدأت فعلياً مرحلة جديدة عنوانها: هل ينجح الجيش حيث فشلت السياسة والحروب طوال السنوات الماضية؟

