تتقدّم المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة في العاصمة الأميركية واشنطن بخطوات بطيئة لكنها ثابتة، وسط أجواء وصفتها مصادر دبلوماسية مطلعة بأنها “الأكثر إيجابية منذ انطلاق هذا المسار”، بالتزامن مع الانتقال العملي من النقاش في المبادئ العامة إلى البحث الفني على الخرائط. وفي تطور ميداني بارز، نجح المفاوضون اللبنانيون، بدعم وضغوط أميركية مكثفة، في انتزاع موافقة أولية من نظرائهم الإسرائيليين على تنفيذ أول عملية انسحاب جزئي من مساحات محتلة، كخطوة تطبيقية لإنشاء “مناطق نموذجية” (تجريبية) تُمهد لانتشار الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة.
كواليس الجولة الخامسة و”الغضب الإسرائيلي”
أفادت صحيفة “الشرق الأوسط” بأن هذه الجولة أجريت في أجواء بالغة التشنج بفعل الغضب الإسرائيلي العارم من “مذكرة التفاهم” التي أبرمتها إدارة الرئيس دونالد ترامب مع النظام الإيراني، وما تلاها من ضغوط أميركية على حكومة بنيامين نتنياهو لالتزام وقف الحرب والشروع في الانسحاب.
وقد تجسد هذا الاستياء في الكلمة الافتتاحية لرئيس الوفد الإسرائيلي السفير يحيئيل ليتر بوزارة الخارجية الأميركية، والتي قال فيها بصراحة: “نحن في وضع كارثي”، محذراً من أن “قطار التسوية” الذي كان متجهاً نحو تفكيك حزب الله وإخراج إيران انحرف عن مساره بفعل مذكرة التفاهم التي منحت الحزب جرأة متزايدة. وتساءل ليتر: “هل لا يزال تفكيك حزب الله أساس هذه المفاوضات؟”، مؤكداً أن تل أبيب ستتحرك ضد أي تهديدات ناشئة.
عقدة “المناطق النموذجية” والتباينات الميدانية
بحسب صحيفة “الجمهورية”، فإن النقاش لم يعد يدور حول مبدأ الانسحاب، بل حول الآلية التنفيذية؛ إذ سجل الجانب الإسرائيلي لأول مرة استعداداً للقبول بانتشار الجيش اللبناني داخل مناطق لا تزال تحت الاحتلال تمهيداً لإخلائها. إلا أن التباينات برزت حول نطاق هذه المناطق.
وأشارت صحيفة “نداء الوطن” إلى أن إسرائيل تتشدد في تدابيرها الأمنية وتفضّل عدم الانسحاب حالياً من نقاط استراتيجية كقلعة الشقيف ومحيطها، واقترحت بدلاً من ذلك بدء التطبيق التجريبي في مناطق خارج احتلالها المباشر (مثل أجزاء من القطاع الغربي، صور، الزهراني، وموقع علي الطاهر).
وتمسك الوفد اللبناني برئاسة السفير السابق سيمون كرم بأن تشمل المناطق النموذجية أراضي محتلة داخل “الخط الأصفر” لضمان انسحاب الاحتلال، وانتشار الجيش، وعودة الأهالي، مطالبين بجدول تسلسلي واضح للخطوات.
وكشفت مصادر لـ “الجمهورية” و”نداء الوطن” عن تعقيد داخلي يتمثل في رفض حزب الله المطلق بأن تشمل هذه المناطق التجريبية أي أراضٍ تقع شمال نهر الليطاني، مصراً على حصرها جنوب النهر وبفعل ضغوط إيرانية لمنع تحويل لجان الرقابة المنبثقة عن تفاهمات سويسرا إلى أطر صورية.
الجيش اللبناني ركيزة التسوية والدعم الدولي
أجمع الوسطاء الدوليون على أن المؤسسة العسكرية اللبنانية هي الجهة الشرعية الوحيدة المؤهلة لإدارة المرحلة. وفي هذا السياق، تتقاطع الحركات الدولية لدعم الجيش وفق ما نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤولين إسرائيليين أن المشروع التجريبي يتضمن تسليم أراضٍ للجيش اللبناني على أن يخضع لتدريب وتدقيق أمني أميركي.
وكشفت “رويترز” أيضاً عن اقتراح من الاتحاد الأوروبي لإطلاق مهمة عسكرية ومدنية في لبنان تمتد لثلاث سنوات، تركز على تعزيز قوات الحدود البرية، وتطوير قدرات جمع المعلومات والمراقبة، ودعم الأمن البحري.
وفي هذا السياق زار بيروت وفد من لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني في مهمة استطلاعية تركزت على دعم الجيش وترتيبات ما بعد انسحاب “اليونيفيل” المتوقع مطلع العام 2027، مؤكدين أن مواجهة النفوذ غير الشرعي تتم عبر تقوية مؤسسات الدولة اللبنانية.
امتعاض بروتوكولي ومسودة “إعلان النيات”
أشارت معلومات دبلوماسية إلى وجود امتعاض في بعض الدوائر الأميركية بسبب رفض الوفد العسكري اللبناني التقاط أو الظهور في صورة مشتركة مع الجانب الإسرائيلي، وهو ما دفع السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض للتحرك سريعاً لمعالجة هذا اللبس البروتوكولي حرصاً على استمرار الدعم الأميركي اللوجستي للجيش.
وعلى الصعيد السياسي، أكدت مصادر بعبدا أن لبنان تسلّم مسودة “إعلان نيات” تعمل الإدارة الأميركية على إنضاجه لإعلانه مساء اليوم عقب الجلسة الدبلوماسية الثالثة. وقد جرت مناقشة المسودة في قصر بعبدا وجرى إدخال تعديلات لبنانية تحصن الموقف السيادي، بانتظار المصادقة عليه لفتح الطريق أمام تفاصيل أوسع.
الموقف الرسمي لرئاسة الجمهورية
تكاملت هذه المعطيات مع تأكيدات رئيس الجمهورية العماد جوزف عون أمام الوفد البرلماني البريطاني ووزير الدفاع ميشال منسى؛ حيث شدد عون على أن العمل قائم لتثبيت وقف إطلاق النار، يليه انسحاب قوات الاحتلال، وانتشار الجيش اللبناني الكامل، وإطلاق الأسرى، وبدء الإعمار. وجدد الرئيس عون تأكيده أن مفاوضات واشنطن مستمرة في مسار عملياتي مستقل ومنفصل تماماً عما صدر عن اجتماعات سويسرا الأخيرة بين واشنطن وطهران، كاشفاً عن تحضيرات لزيارته المرتقبة للبيت الأبيض في منتصف تموز المقبل بناءً على دعوة رسمية من الرئيس ترامب.

