هناك في احدى البلدات المدمرة في الجنوب، يجلس رجل صامتاً بين ركام منزله.
أمام هول الكارثة التي اكتشفها للتو- اذ لم يكن يتوقع من بعيد، اي من خيمة النزوح، أن تكون بهذه القسوة عليه وعلى عائلته- وكردة فعل نفسية هرباً من الواقع الأليم، شرد ذهنه، هو الشيوعي الممانع، إلى المشهد الأوسع، الجيوسياسي -الاستراتيجي – الإقليمي- الدولي، لا سيما على أثر التفاهم الأمريكي – الإيراني. وسرعان ما عاد اليه شيء من الاطمئنان النفسي، ذلك ان بنود التفاهم، بإعتقاده، تحافظ على إيران كقوة إقليمية في مواجهة إسرائيل واميركا، وتدعّم مسار اضعاف الإحادية الإمبريالية الأمريكية في المنطقة لصالح القوة الشيوعية الصينية الصاعدة.
لكنه ما لبث ان وجد صعوبة في التوفيق بين انشراح ذهنه بالمشهد الإقليمي- الدولي العام، وحزن قلبه على المشهد المأساوي في الجنوب. فما كان منه الا ان لجأ إلى أحد منظري الحزب الشيوعي، المفكّر الراحل مهدي عامل، لعل كتاباته تساعده على فهم العلاقة بين الداخل والخارج في عملية التحرر الوطني. تذكّر قول الأخير إن الصراع مع الخارج الكولونيالي يجد جذوره الداخلية في العلاقات الطبقية الخاصة بالبنية الاجتماعية المحلية التابعة، وليس بمعزل عنها.
وفيما كان غارقًا في التفتيش عن رابط نظري- ماركسي بين الكارثة في الداخل والانتصار على مستوى الخارج الإقليمي والدولي، تراءى له في لحظة أنه امام صورتَي ماركس وإنجلز معلقتين على أحد الأعمدة التي لا تزال صامدة، قبل أن يعود وينتبه إلى أنهما صورتا خامنئي ونصر الله.
وهذا ما أعاده إلى حدث اغتيال مهدي عامل على يد الخمينيين، والانتقال التاريخي في قيادة الصراع مع إسرائيل وأميركا إلى حزب الله، الذي هو حزب مذهبي عسكري من خارج العلاقات الطبقية الخاصة بالبنية الاجتماعية المحلية التابعة، لا بل هو في صلب النظام المذهبي- الطائفي الذي طالما اعتبره مهدي عامل مرتكزًا للاستعمار والسيطرة الإقليمية- الدولية الخارجية، وليس رافعة للتحرر.
صدمة تصريح قاليباف
“دعك من مهدي عامل”، قال في نفسه، فهو على عكس ما تمناه، فاقم من ارتباكه الفكري. وراح يتابع الأحداث المتسارعة على هاتفه، فقد يضطر الى مغادرة المكان بسرعة والعودة الى خيمة النزوح في حال عاودت اسرائيل قصف المنطقة التي يتواجد فيها. نظر الى هاتفه، فإذا به يجد التصريح المتلفز لقاليباف، رئيس البرلمان الإيراني. قال قاليباف مخاطبا الشعب الايراني: “أولئك الذين كانوا يقولون “لا غزة ولا لبنان”، فليعلموا أن لبنان قدّم أربعة آلاف شهيد من أجل إيران الإسلامية، أي أكثر من مجموع الشهداء الذين قدمناهم طوال حربنا. هم قاتلوا 104 أيام، ونحن قاتلنا 38 يومًا.”
تصريح قاليباف صدمه. فهل يعني ذلك ان العلاقة بين الكارثة الوطنية والانتصار الاقليمي، لا دخل لها بنظريات التحرر الوطني، بل ان الكارثة الوطنية هي نتيجة حتمية لتبعية مذهبية – دينية، تبعبة تبدّي الواجب الديني على المصلحة الاقتصادية- الاجتماعية – السياسية، التي يعتمد عليها الشيوعي في تحليلاته للدوافع والممارسات الاجتماعية؟
يصعب على الشيوعي الممانع ان يتقبل هذا التفسير الذي طالما جرى تداوله من قبل معارضي محور الممانعة، وقد بنوا عليه اساس انتقادهم لحزب الله. لذلك حاول التعمق اكثر بتصريح قاليباف لعله يجد فيه منفذا لمأزقه الفكري.
معروف ان الشعب الايراني كان يتذمّر من إنفاق نظامه لأموال طائلة على حماس وحزب الله، في غزة وفي في لبنان، مما جعله يرفع شعار “لا غزة ولا لبنان”. الشعب الايراني كان يطالب نظامه بالاهتمام بمصلحة الشعب الايراني الذي يعاني من مشكلات معيشية، بدل إنفاق الأموال لمساعدة شعوب أخرى، ولو تحت شعار مصلحة النظام وثورته الاسلامية.
بين التناقض والتقاعد
المفارقة ان الشعب الايراني المفترض ان يتحرك بدوافع دينية، تجده يتمسك بمصالحه الاقتصادية- الاجتماعية في تحديد مواقفه السياسية. وقد اراحت هذه المفارقة الشيوعي الممانع، الذي وجد عند الشعب الايراني دوافع طبقية. لكن المشكلة ان هذا الشعب الايراني يرى تناقضا بين مصالحه الطبقية وتمويل حزب الله، بعناصره والعاملين لديه، فلا مصلحة مشتركة طبقية او اقتصادية- اجتماعية، بين الطرفين، تبرر التضامن. في الوقت الذي تتناقض فيه المصالح الاقتصادية- الاجتماعية لمعظم افراد الشعب اللبناني هي أيضا مع سياسات حزب الله وحروبه. اي ان المصالح المادية للشعب اللبناني تتقاطع بطريقة غير مباشرة مع مصالح الشعب الايراني.
في البحث عن العلاقة بين الداخل والخارج، بين حزن قلبه وانشراح ذهنه، ادخل الشيوعي الممانع نفسه في متاهة فكرية تؤدي حكما إلى اصطدام شيوعيته بممانعته.
“التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) هو حالة من التوتر النفسي والارتباك تصيب الفرد عندما تتضارب معتقداته أو أفكاره مع سلوكياته، أو عند تلقيه معلومات جديدة تخالف قناعاته الراسخة. وفقاً لعالم النفس ليون فستنغر، يسعى الإنسان دائماً للانسجام، لذا يبذل عقله جهداً كبيراً للتخلص من هذا الصراع.” فهل سيتخلى صاحبنا الشيوعي الممانع عن شيوعيته ام عن ممانعته، بعد أن بات يؤلمه هذا التنافر المعرفي الذي يكاد يشبه ركام منزله؟

