في تحول دراماتيكي حبس أنفاس المجتمع الدولي، تراجع مؤشر التصعيد العسكري في الشرق الأوسط من ذروته بصورة مفاجئة؛ إثر إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعبارات صريحة عن التوصل إلى “تسوية عظيمة” ومذكرة تفاهم تنهي الحرب مع إيران، وذلك بعد ساعات قليلة من تهديده الناري بتوجيه ضربات مفرطة وقاسية للغاية ضد طهران ليل الخميس.
وكشف ترامب أن النقاط والمفاهيم النهائية للاتفاق حظيت بموافقة “جميع الأطراف المعنية” بما فيها دول شرق أوسطية، مرجحاً إقامة حفل توقيع رسمي خلال عطلة نهاية الأسبوع في أوروبا (تحديداً في جنيف السويسرية).
وفي مؤشر لوجستي حاسم، نقل موقع “أكسيوس” الإخباري عن مصدر مطلع أن أربع طائرات شحن عسكرية أميركية من طراز C−17 غادرت الخميس إلى أوروبا محملة بمعدات لسفر محتمل لنائب الرئيس الأميركي “جي دي فانس” لحضور مراسم التوقيع.
بنود ومندرجات مذكرة التفاهم: “اتفاق إسلام آباد” قيد اللمسات الأخيرة
المذكرة التي جرى بلورتها بوساطة قطرية-باكستانية مشتركة، وسيحمل الاتفاق النهائي لها اسم “اتفاق إسلام آباد” في حال توقيعه، تهدف بالدرجة الأولى إلى التهدئة المؤقتة وفتح المعابر المائية، وتتضمن البنود الأساسية التالية:
- تمديد وقف إطلاق النار: تمديد الهدنة السابقة (والتي وصفها ترامب بأنها “أكثر وقف إطلاق نار تعرض للخرق في تاريخ العالم”) لمدة ٦٠ يوماً تشمل الساحة اللبنانية أيضاً، لتأمين مناخ ملائم للمفاوضات اللاحقة.
- شريان هرمز والحصار البحري: إعادة فتح مضيق هرمز فوراً من دون أي رسوم عبور، على أن تعود حركة الشحن الدولي إلى مستويات ما قبل الحرب في غضون ٣٠ يوماً، مقابل رفع الحصار البحري الأميركي عن إيران كلياً.
- الملف النووي والتخصيب: وضع إطار عام لمعالجة مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، حيث وافق ترامب على خيار تخفيض نسبة اليورانيوم عالي التخصيب داخل إيران وتحت إشراف مباشر من مفتشي الأمم المتحدة. وتلتزم طهران بموجب المذكرة بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي مطلقاً وحل الأزمة الراهنة، مع التأكيد على أن أي إجراء تنفيذي بنيوي بشأن البرنامج النووي يتوقف على إبرام “اتفاق ثانٍ” أكثر تفصيلاً وصعوبة.
- إعفاءات النفط والأموال المجمدة: تمنح واشنطن طهران إعفاءات مؤقتة من العقوبات تسمح لها ببيع النفط طيلة الـ ٦٠ يوماً لضخ عائدات حيوية للاقتصاد الإيراني، مع ربط أي تخفيف إضافي بمدى إظهار “حسن النية”. وبشأن المليارات المجمدة في الخارج، جرى نقاش آلية ثلاثية (أميركية-إيرانية-قطرية) تمكّن طهران من الوصول إلى بعض أموالها المجمدة في قطر لشراء سلع إنسانية، وسط إصرار إيراني على الاستلام الفوري لدفعة أولى ونفي أميركي لوجود أي اتفاق جانبي سري.
كواليس المفاوضات: تضييق الفجوات الثلاث وموقف طهران
بحسب مصادر “أكسيوس” و شبكة “سي إن إن”، فقد تم تضييق الفجوات الرئيسية مساء الأربعاء بعد ساعات طويلة من المباحثات الشاقة في طهران بين الوسيط القطري علي الذوادي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. وكشفت المصادر أن الذوادي أجرى اتصالات هاتفية مكثفة خلال الاجتماع مع مبعوثي ترامب؛ ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لتذليل العقبات حول ثلاث قضايا: آلية الإفراج عن الأصول، ترتيبات فتح هرمز، وكيفية صياغة المحادثات النووية المستقبليّة.
وعلى الجانب الإيراني، أفادت التقارير بأن المسودة حظيت بموافقة مستويات عليا في الدولة، لكنها لا تزال تنتظر الضوء الأخضر والقرار النهائي من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي.
ودبلوماسياً، التزم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بنبرة حذرة، معتبراً التقارير “مجرد تكهنات”، وموضحاً أن طهران لم تتخذ قرارها النهائي بعد لأن الجانب الأميركي استمر في تغيير مواقفه طوال الجلسات رغم قبول واشنطن مؤخراً للنص المقترح إيرانياً لمراجعته. وحمّل بقائي واشنطن مسؤولية توترات مضيق هرمز مؤكداً أن الممر المائي أصبح “أقل أماناً بسبب الإجراءات الأميركية”، وجدد تمسك بلاده بخطوطها الحمراء.
صدمة وحيرة في تل أبيب: نتنياهو يفاجأ بالاتفاق ويتصل بحلفائه
في المقابل، نزل إعلان ترامب كالصاعقة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي فوجئ تماماً بالخطوة الأميركية بينما كان يعقد اجتماعاً مغلقاً مع كبار قادته الأمنيين لبحث خيارات التصعيد وضرب إيران. وذكرت المصادر أن نتنياهو عاش ساعات من الحيرة والارتباك، ولجأ فوراً إلى إجراء اتصالات مكثفة بحلفائه المقربين داخل إدارة ترامب لجمع معلومات حول كواليس الصفقة المباغتة.
وعقب الإعلان، جرى اتصال هاتفي بين ترامب ونتنياهو، أصدر على إثره مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بياناً دبلوماسياً لافتاً حاول التخفيف من وطأة الاستبعاد، جاء فيه: “على الرغم من أن إسرائيل ليست طرفاً في مذكرة التفاهم، فقد أعرب رئيس الوزراء عن تقديره لالتزام الرئيس ترامب بأن يتضمن الاتفاق النهائي الناتج عن المفاوضات إزالة المواد النووية المخصبة، وتفكيك البنية التحتية للتخصيب، وفرض قيود على إنتاج الصواريخ، ووضع حد لدعم إيران لوكلائها في المنطقة”.
وتترقب الأوساط السياسية والاقتصادية ما ستسفر عنه الساعات المقبلة، وسط تباين واضح في بورصات الأسواق العالمية؛ حيث ترافق الإعلان مع انتعاش وارتفاع في البورصة الأميركية وانخفاض ملحوظ في أسعار النفط، في وقت يترنح فيه المشهد بين ولادة تهدئة إقليمية تقودها إدارة ترامب وحلفاؤها، أو الانهيار والعودة مجدداً إلى المربع الأول للصراع المفخخ.

