لبنان ساحة اختبار لدبلوماسية ترامب تجاه إيران

الحرب على لبنان

رفعت طهران من مخاطر الدبلوماسية في مرحلة ما بعد الحرب عبر تعليق المحادثات مع واشنطن؛ احتجاجًا على الحملة العسكرية الإسرائيلية في لبنان. وأصبح هذا الملف الآن في صلب حسابات الولايات المتحدة بشأن ما إذا كانت إيران تعزز أوراق الضغط التي تمتلكها أم أنها تبالغ في استخدام هذه الأوراق.

وأعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يوم الاثنين الأول يونيو (حزيران) الجاري، أن إسرائيل وحزب الله توصلا إلى اتفاق لوقف الهجمات بعد سلسلة من الاتصالات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووسطاء على صلة بالجماعة المدعومة من إيران.

ولكن قبل ساعات من ذلك، كانت وكالة أنباء “تسنيم”، المقربة من الحرس الثوري الإيراني، قد أفادت بأن طهران علّقت محادثاتها مع واشنطن بسبب استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان. ولم يخلُ الخبر من التهديد، إذ كتبت “تسنيم” أن طهران ستفتح جبهات جديدة في هذا الصراع، إذا استمر الوضع على هذا النحو.

ويأتي هذا الاضطراب الدبلوماسي في وقت تنفذ فيه إسرائيل أوسع عملياتها العسكرية في لبنان منذ أكثر من عقدين.

وتقول إيران إن هذه العمليات تمثّل انتهاكًا لوقف إطلاق النار القائم مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، يرى منتقدون أن إيران نفسها ساهمت في صناعة هذه الأزمة عبر إصرارها على إدراج لبنان ضمن محادثات وقف إطلاق النار، ثم دعمها لهجمات حزب الله التي استدعت الرد الإسرائيلي.

تحويل لبنان إلى ورقة ضغط

يرى بعض المحللين أن تصرفات إيران تشير إلى أن النظام الإيراني يعتقد أنه خرج من الحرب وهو يمتلك أوراق ضغط أكبر مما كان يتوقعه كثيرون.

وقال الصحافي الإسرائيلي- الأميركي ومؤلف كتاب “عندما كانت إسرائيل نائمة”، ياكوف كاتس، لـ “إيران إنترناشيونال”: “أشعر بالقلق من أن الإيرانيين يقومون بهذه التحركات لأنهم يعتقدون أنهم يمتلكون اليد العليا”.

وأضاف كاتس أن طهران قد تكون توصلت إلى استنتاج بأنها خرجت من هذا الصراع بصورة جيدة نسبيًا؛ فالنظام لم يسقط، والبنية العسكرية ما زالت قائمة رغم الأضرار الكبيرة، والبرنامج النووي ما زال موجودًا، كما أن واشنطن لا تزال تتفاوض معها.

ومن هذا المنطلق، قد يعتقد النظام الإيراني أنه قادر على توسيع نطاق الدبلوماسية إلى ما يتجاوز ملفه النووي، وإجبار الولايات المتحدة على أخذ التطورات في لبنان بعين الاعتبار ضمن حساباتها. وهذا بالتحديد ما يثير قلق كاتس.

وقال: “إن ربط هذين الملفين ببعضهما كارثة”.

ويرى كاتس أنه إذا قبلت واشنطن إدراج لبنان ضمن إطار التفاوض، فإن طهران ستتمكن مستقبلًا من استخدام المواجهات بين حزب الله وإسرائيل كورقة ضغط كلما ظهرت خلافات دبلوماسية جديدة.

ويبرز هذا القلق في وقت يحاول فيه ترامب تحقيق توازن بين هدفين متعارضين: منع اندلاع حرب إقليمية أوسع، والحفاظ في الوقت نفسه على المسار الدبلوماسي مع طهران.

وفي يوم الاثنين الماضي، حذرت وسائل إعلام مرتبطة بإيران من أن طهران قد توسع نطاق الضغط ليشمل مضيق باب المندب، وهو أحد الممرات الحيوية للتجارة البحرية العالمية، في وقت لا تزال فيه التوترات مرتفعة في مضيق هرمز.

وأعادت هذه التهديدات إحياء المخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية والتداعيات الاقتصادية لأي مواجهة إقليمية أوسع.

ثمن الخطوط الحمراء لطهران

يعتقد مؤسس شبكة السياسة والمعلومات الشرق أوسطية، إريك ماندل، أن أزمة لبنان، والتهديدات التي تطال الملاحة البحرية، وتعليق المحادثات، كلها أجزاء من إستراتيجية إيرانية أوسع.

وقال لـ “إيران إنترناشيونال”: “إن طهران تتبع هذه الإستراتيجية بشكل منسق، والجزء الأهم فيها هو السعي لكسب الوقت”.

ويرى ماندل أن طهران تحاول إطالة أمد المفاوضات لرفع كلفة استمرار المأزق بالنسبة لأميركا، من خلال زيادة الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية على واشنطن.

ووفقًا لتقديره، تريد طهران اختبار مدى قدرة إدارة ترامب على تحمل مواجهة طويلة الأمد، أو ما إذا كانت الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، واضطراب الملاحة، وعدم الاستقرار الاقتصادي، ستجبر واشنطن في نهاية المطاف على تقديم تنازلات. وأضاف ماندل: “أعتقد أن ما تريده إيران في المحصلة هو إحداث ركود عالمي، فهم يربحون من هذا الوضع”.

ومن جانبه، يرى الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والرئيس السابق للملف الإيراني في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، داني سيترينوفيتش المشهد من زاوية مختلفة قليلًا. فبينما يفسر كاتس وماندل سلوك طهران من منظورة أوراق الضغط والإستراتيجية، يجادل سيترينوفيتش بأن الأيديولوجيا لا تزال عاملًا محوريًا.

ويقول إن حزب الله وترسانته الصاروخية وبرنامج التخصيب ليست بالنسبة لطهران مجرد أوراق مساومة يمكن المقايضة عليها ببساطة، بل ترى في هذه الأصول ركائز أساسية لوجودها.

وقال سيترينوفيتش لـ “إيران إنترناشيونال”: “إن إيران لا يمكنها الوقوف متفرجة دون إبداء رد فعل، فهذا جزء من عقليتها”.

ويوضح أنه من منظور طهران، فإن عدم الرد على العمليات الإسرائيلية في لبنان يعني التخلي عن التزامها الإستراتيجي تجاه حزب الله، وإضعاف المبادئ التي يراها النظام حيوية لبقائه. هذا التمايز في التحليل قد يكتسب أهمية حاسمة في وقت تدرس فيه واشنطن خطوتها التالية.

فبحسب كاتس، تحاول إيران استغلال رغبة ترامب في التوصل إلى اتفاق عبر تحويل لبنان إلى ورقة مساومة. أما مندل فيرى أن طهران تطيل أمد الأزمة عمدًا لزيادة الضغط على الولايات المتحدة. بينما يعتقد سيترينوفيتش أن سلوك إيران لا يستند أساسًا إلى حسابات تكتيكية، بل إلى خطوط حمراء أيديولوجية تعتقد أنها لا تستطيع التخلي عنها.

لكن ما يتفق عليه الثلاثة هو أن لبنان لم يعد ملفًا هامشيًا، بل أصبح اختبارًا محوريًا للدبلوماسية الهشة بين واشنطن وطهران.

فإذا مارس ترامب ضغوطًا على إسرائيل لوقف عملياتها، فقد تعتبر طهران ذلك مؤشرًا على تراجع واشنطن أمام ضغوطها. أما إذا لم تُمارَس هذه الضغوط، فيبدو أن إيران مستعدة لاستخدام لبنان وهرمز وربما جبهات أخرى لترويج رواية مفادها أن إطار وقف إطلاق النار قد انهار عمليًا.

وفي كل الأحوال، يبدو أن طهران تحاول، بالتوازي مع التأثير على المرحلة المقبلة من المفاوضات، رفع كلفة الدبلوماسية والمواجهة على الأطراف المقابلة.

السابق
علي الأمين: التفاوض من صلاحيات الدولة والاتفاق يوقف مسار التدمير والتهجير