حزب الله بين الحرب في خدمة إيران والخسارات في لبنان

حارث سليمان

دخل حزب الله الحرب تحت عنوان “إسناد غزة”، ثم تابعها بحرب ثأرٍ لاغتيال السيد خامنئي، ما لبثت أن تَحَوَّلت المواجهة تدريجياً، إلى جزء من الصراع المفتوح بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى. لكن المعضلة التي تواجه الحزب اليوم لم تعد فقط عسكرية أو أمنية، بل أصبحت أزمة وجود سياسي واستراتيجي تتعلق بمصير الحزب نفسه، وبمصير الجماعة الشيعية والجنوب اللبناني، وبالعلاقة بين لبنان وإيران، وبحدود قدرة الحزب ونواياه على الاستمرار في حرب تبدو نتائجها كارثية على تياره وعلى لبنان، فيما مكاسبها المحتملة، او المفترضة في حال وجود مكاسب، قد تذهب في النهاية إلى طهران وحدها.

وهنا تبرز الأزمة الحقيقية: ماذا لو انتهت المواجهة الأمريكية الإيرانية أو تم احتواؤها بتفاهمات معلنة او غير معلنة؟ هل يتوقف الاستهداف الإسرائيلي لحزب الله؟ الوقائع تشير إلى العكس. فإسرائيل تعتبر أن حزب الله يشكل تهديداً مستقلاً عن اي اتفاق اميركي ايراني، وهي لن تتوقف عن ملاحقته حتى لو جرى تفاهم أمريكي إيراني شامل.

تكمن المفارقة الأساسية في أن حزب الله يقاتل دفاعاً عن المشروع الإيراني الإقليمي، وكامتداد لنفوذ طهران في الوقت الذي تسعى فيه إيران نفسها إلى التفاوض مع الولايات المتحدة، وإنجاز صفقة معها. فطهران، مهما ارتفع خطابها التصعيدي، تبقى دولة تتفاوض وفق مصالحها القومية العليا، ويمكن لها في أي لحظة أن تصل إلى تسوية مع واشنطن إذا ضمنت أمن النظام الإيراني ومصالحه الاستراتيجية والاقتصادية، والخروج من الحصار البحري ونظام العقوبات المفروض عليها. عندها ستجد إيران مكانها داخل أي اتفاق دولي أو إقليمي، بينما سيبقى حزب الله خارج هذا الاتفاق، مكشوفاً أمام إسرائيل، ومحملاً وحده كلفة الحرب والدمار والانهيار.

الخسائر التي تكبدها حزب الله خلال الحربين الأخيرتين وما بينهما، تعكس حجم المأزق. فإسرائيل استطاعت، عبر الاختراق الأمني العميق، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، أن تضرب بنية الحزب القيادية والعسكرية التاريخية بصورة غير مسبوقة. لم تعد الضربات تستهدف فقط الصف الأول، بل امتدت إلى الصفوف الثانية والثالثة وحتى الرابعة. وقد ظهر أن إسرائيل تمتلك قدرة شبه كاملة على جمع المعلومات وتحديد الأهداف وتعقب القيادات والعناصر الميدانية في مختلف المناطق.

ثم جاءت عمليات الاختراق التقني، ومن بينها ما عُرف بخرق “البيجر”، لتكشف هشاشة البنية الأمنية للحزب أمام التكنولوجيا الإسرائيلية. أما الطائرات المسيّرة، فقد حولت قرى الجنوب إلى ساحات قتل يومي، خصوصاً بعدما جرى دفع عناصر الحزب، خلال حرب إسناد غزة، إلى البقاء داخل القرى والتمركز فيها، ما جعلهم أهدافاً مكشوفة للاستهداف الجوي من دون حاجة إسرائيل إلى خوض مواجهات برية واسعة.

ولم يمنع تكتيك القتال المتحرك، بمجموعات صغيرة، اسرائيل من انجاز اجتياح بري طال مدن الخيام وبنت جبيل وشمع، وصولا الى مجرى الليطاني قرب بلدة زوطر الشرقية، في الحرب التي مازالت مشتعلة.

الأرقام المتداولة حول الخسائر البشرية تعكس بدورها حجم النزف. فآلاف المقاتلين سقطوا بين قتيل وجريح، فيما تكاد لا تخلو اية قرية جنوبية من عشرات القتلى. وبعض المناطق، خصوصاً في البقاع الشمالي والهرمل، تكبدت خسائرَ بشرية هائلة تجاوز المائة مقاتل. هذا النزف المستمر خلق حالة إنهاك داخل المجتمع الشيعي، وطرح أسئلة قاسية حول جدوى الحرب ومبرراتها وأهدافها الفعلية.

الأخطر من ذلك أن الحزب اضطر، نتيجة هذا الاستنزاف، إلى الاستعانة بمقاتلين من خارج لبنان، من ميليشيات عراقية  ويمنية وعناصر مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى مجموعات أخرى فلسطينية. وهذا التطور ترك أثراً بالغ الحساسية داخل المجتمع الجنوبي، حيث بدأ كثير من الأهالي يشعرون بأن أرضهم تتحول إلى ساحة حرب تخاض من قبل “غرباء”، بينما هم يخسرون بيوتهم وأرزاقهم وأبناءهم وجنى اعمارهم.

في المقابل، يبدو حزب الله معزولاً سياسياً على المستوى اللبناني. فالدولة اللبنانية، رغم ضعفها، تتحرك باتجاه مختلف تماماً. هناك مساعٍ سياسية وأمنية تجري مع الأمريكيين لبلوغ هدنة أو ترتيبات أمنية، فيما تشارك وفود عسكرية لبنانية في اجتماعات أمنية غير مباشرة مرتبطة بالوضع الحدودي.

المفاوضات  في واشنطن التي يقودها رئيس الجمهورية توصلت لاعلان وقف اطلاق نار متجدد لمدة 45يوما، لكن حزب الله رفض الهدنة ودعا الى اسقاط الحكومة في الشارع.

الواضح أن الدولة اللبنانية نفسها باتت تبحث عن مخارج توقف الحرب وتخفف الضغوط الدولية، بينما يستمر الحزب في خطاب تعبوي لا يقدم أجوبة عملية عن مستقبل الجنوب والشيعة ولبنان.

وهنا يصبح السؤال جوهرياً: ما هو السيناريو الذي يمكن أن يعتبره حزب الله انتصاراً؟ كيف يمكن للحزب أن يعلن الربح فيما الجنوب مدمّر، والقرى خالية، والاقتصاد منهار، والجماعة الشيعية تنزف بشرياً ومالياً واجتماعياً؟ كيف يمكنه أن يعيد سكان الجنوب إلى بلداتهم؟ ومن أين سيأتي بأموال إعادة الإعمار في ظل العقوبات والانهيار المالي والعجز الإيراني نفسه؟

الأزمة ليست فقط في حجم الخسائر، بل في غياب أفق سياسي واضح. فالحزب لا يملك تصوراً مقنعاً لكيفية الخروج من الحرب، ولا يملك قدرة فعلية على فرض توازن ردع يمنع إسرائيل من الاستمرار في الاستهداف. بل إن التطورات الأخيرة أظهرت تفوقاً إسرائيلياً كبيراً في مجالات التكنولوجيا والاستخبارات والحرب الجوية، مقابل تراجع فعالية الأدوات التقليدية التي اعتمد عليها الحزب طوال السنوات الماضية.

وفي النهاية، تبدو المعضلة أكثر قسوة من أي وقت مضى: إذا ربحت إيران بعض المكاسب التفاوضية مع أمريكا، فإن الثمن سيدفعه لبنان. وإذا فشلت إيران، فإن الثمن أيضاً سيدفعه لبنان. وفي الحالتين، يبدو الشيعة في لبنان، وأهالي الجنوب، وعناصر حزب الله أنفسهم، وكأنهم يتحولون إلى وقود في معركة تتجاوز حدود المصلحة اللبنانية.

لهذا لم يعد السؤال: هل يستطيع حزب الله مواصلة القتال؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل يستطيع أن يقدم للبنانيين، وللطائفه الشيعية تحديداً، مشروعاً واقعياً يحمي الناس، ويعيد بناء الجنوب، ويحفظ ما تبقى من الدولة والمجتمع؟ أم أن الحزب بات أسير وظيفة إقليمية تجعله يقاتل حتى النهاية، حتى لو كانت النهاية على حساب لبنان نفسه؟

السابق
تصعيد في الخليج: الحرس الثوري يعلن ضرب قاعدة أميركية… والكويت بالمواجهة!
التالي
سوق الغاز يتراجع… وتحذير من فوضى التوزيع غير الشرعي!