الكتابة عن صور المدينة الصاخبة بعندها والحروب التي تعرّضت لها الأمس واليوم ليست واجبًا سياسيًّا أو شعريًّا، بل هي مزاجٌ وصدفة تُنتظر لتظهر هويّة المبدع وخلفيّاته الاجتماعيّة والأيديولوجيّة والثقافيّة، وصور التي تعني في قاموس التاريخ واللغة الصخرة والتي ترمز في أحايين كثيرة إلى الصلابة والعند والثبات والتشبث لطالما كان ملهمة لقادة وكتّاب ورسّامين وشعراء، والحقّ أنّها كذلك خصوصًا في العصر الحالي المدجّج بأدوات الحداثة والتقدّم والعصرنة، وبعيدًا من الدخول في الزواريب التاريخيّة والتفاصيل التي قد تضيع بوصلة المقالة وهدفها، فإنّ مدينة صور كان محط إلهام وكتابة في القرنين العشرين والواحد والعشرين، حيث كتبها عدد من الشعراء كلّ من زاويته وبأدواته، لتكون صور – بقصد أو غير قصد- الحلبة التي يقدّم فيها كلّ شاعر وتحديدًا الشعراء: شوقي بزيع، عبّاس بيضون وعصام العبدالله، صورة عن هويّته الشعريّة والكتابيّة فضلًا عن صور ثلاثة عن مدينة خطفها التاريخ والسياسة وعلم الحضارة ولم يرتوِ الشعر منها بما يكفي.
شوقي بزيع: المدينة بوصفها جرحًا شعريًا مفتوحًا
في قصيدته ” صور ” والتي كتبت بين عامي 1980 و1981 وأدرجت في مجموعته الشعريّة الثالثة ” أغنيات حبّ على نهر الليطاني ” ( دار الآداب- 1985 ) لجأ شوقي بزيع إلى الشعر نفسه لرسم المدينة التي عاش فيها ونشأ في قضائها، العنف والصدمة بمعناهما الشعريين ظهرا منذ المقطع الأوّل والذي رسخ بسهولة في ذاكرة القرّاء:
“والآن يا صور،
أيتها الطعنةُ الأبدية في جسد البحر،
والسقطة المستقيمة نحو الفراغ
الذي يملأ الروح،
آن الأوان لكي أكتب الأغنية
مستعيراً جميع المراثي التي كُتبت
في رثاء المدن
أغني لزهرة فينيقيا المطفأة
والثريا التي زينت شاطئ المتوسط
ذات مساءٍ.”
من الرثاء إلى الهوية: كيف كتب بزيع صور؟
استخدام حرف العطف ” واو ” من قبل الشاعر لم يكن لضرورات الوزن فحسب، بل لاختزال كل ما حكي عن المدينة في شتى ميادين الكلام والمعرفة، وقد كان الحرف متبوعًا بأداة زمنيّة ” الآن ” في دلالة واضحة على أنّ الشاعر يريد تفكيك المدينة من زاويته متجرّدًا من كلّ المؤثرات الكتابيّة، محتفظًا بكل الخلاصات القرائيّة التي اختزنها لاوعي الشاعر الشاب البالغ آنذاك 34 عامًا:
“أغني لطفلة هذا الزمان الوحيده
لصور التي لم تعد عاصمه
لصور التي لم تعد قائمه
وأعلن أني نجوت من المجزره
لأدخلها من جديد على صهوة الحبر،
أن المدينة والشعر ليسا نقيضين،
أن الحبيبين لا يدخلان إلى الحب
إلا وبينهما طلقة واحده
لذلك كنا نعلق أرواحنا كالثياب على الأعمده
ونصرخ: ص.. و.. ر”

ولعلّ تكرار لفظة صور التي تعدّ اسم علم تقعيديًّا قد منح القصيدة إيقاعًا وأعادنا إلى أدبيّات علم النفس التي تتحدث عن أنّ مخاطبة العقل الباطني تبدأ بتكرار الفعل أو اللفظة أو الجملة كي يتكيّف مع ما يشتهيه العقل الواعي للفرد، وقد لجأ بزيع إلى الأسلوب الخبريّ منذ مطلع القصيدة لسببين إثنين الأوّل التمهيد للحديث مطوّلًا وبصيغة مجازيّة بيانيّة شعريّة عن المدينة بعيدًا من السياقات الجاهزة والثاني أن استخدام الشعر للحديث عن المدينة هو مزيج من الانفعال والرغبة بالمزج بين السرد والعبارات السريعة القائمة على ثلاثة عناصر أدبيّة اللغة، العاطفة والأسلوب.
وكي لا يدخل السياق التحليلي في نفق التواتر والتكرار فإنّ بزيع في قصيدته استحضر المعالم والشخصيّات والأحداث المرتبطة بمدينة صور فقط لدعم استعاراته ولغته المجازيّة، أي لغاية شعريّة بحت.
عبّاس بيضون: صور بين الشعر والسوسيولوجيا
لم يقارب عبّاس بيضون صور وفضاءها كما قاربها بزيع، فالقصيدة التي كتبت عام 1974 وصدرت في طبعة حديثة عام 2022 عن دار النهضة العربيّة اتّخذت النثر كمنهجيّة شعريّة للتعبير عن حال المدينة وأحوالها، ودفعت الشاعر للجنوح نحو كتابة مانيفستو سوسيولوجيّ سياسيّ بقدر ما هو قطعة شعريّة مضغوطة بقالب نثريّ:
“كنتِ جزيرة وحصناً
وخاناً للمسافرين
لا يتسعُ نهاركِ للبناء
ولا يكفي ليلكِ للأحلام
لم تكن نجومكِ كبيرة ولا قمركِ لامعاً
لذا كان بحارتكِ يسقطون على السلالم
وجنودكِ يجفّون في الأبراج.”

المدينة كمانيفستو تاريخي واجتماعي
استخدام الفعل الناقص ” كنتِ” ولفظة الجزيرة ناتجة عن تعلّق الشاعر بماضي المدينة وتاريخها، وهي تركيبة معرفيّة ثقافيّة بقدر ما هي تركيبة شعريّة، وقد تمظهر ذلك منذ مطلع القصيدة- النص حين تحدّث بيضون عن المستوى الطبقي للعاملين في المدينة، والحديث عن دخول القرويين إليها ما هو إلا مقاربة ديمغرافيّة واقتصاديّة بقدر ما هو حديث شعريّ:
“يَا صُوْر… حينَ نَزَلْنَا إليكِ انتزَعَتِ مِنْ حَنَاجِرِنَا الوَتَرَ الفلّاحيَّ، وَهَا نَحْنُ بِالكَلِمَاتِ الّتِي تَعَلَّمْنَاهَا مِنْكِ لَا نَسْتَطيعُ أنْ نَصِفَكِ.
لا نَصِفُكِ لأنَّكِ مَا زِلْتِ تَبْحَثِينَ في جِلْدِكِ
عَنْ فَمِكِ المُنْدَمِل.
وَلِأنَّكِ تَنْطقِينَ بِزَفِيرٍ سَاخِنٍ
عَلَى وُجُوهِ مُخَاطِبيكِ القَليلِينَ…”
بالرغم من توظيف الشاعر للمجاز والاستعارات في الأقسام الثلاثة للقصيدة لكنّه وبالرغم من نجاحه شكلًا في الابتعاد بأشواط عن التقريريّة والإنشائيّة، بقي على صعيد الجوهر والمعيار منظّرًا لمدينة صور وطبيعتها من خلفيّة اجتماعيّة وتاريخيّة على الأقل بقدر ما هو شاعر يتحدّث عنها بجماليّة إذا ما استثنينا القسم المتعلّق بالبحر في القصيدة.
عصام العبدالله: صور بلهجة جبل عامل
أمّا عصام العبدالله شاعر اللهجة المحكيّة فقد كانت مقاربته لصور مختلفة، صحيح أنّها على مستوى الشكل جماليّة موزونة يمكن وضعها على الصعيد التقني تحت مجهر المقارنة والمقاربة مع قصيدة شوقي بزيع، لكنّ عبدالله ابتعد كليًّا عن الفكرة في قصيدته وعن الانطباع خلافًا لبزيع الذي جسّد تجربته وانطباعاته ومعايشته للمدينة في حاضره آنذاك.
الهوية الجنوبيّة في مواجهة خصوصية المدينة
اكتفى عبدالله بصياغة المجاز، جاعلًا القارئ كالتلميذ الذي يتلقى دروسه الأولى في ” مقدّمة علم البيان ” أو ” مدخل إلى علم البديع”، حتّى على المستوى الهويّاتي لم يراعِ العبدالله خصوصيّة صور بل ربطها ربطًا متينًا بجبل عامل، ما يجعل القصيدة انفعاليّة جماليّة بقدر ما هي شعريّة:
“كَانْ في جَبَلْ
إسْمُو جَبَلْ عَامِلْ
عَمْ يِشِتْغِلْ عِزِّ الضُّهُرْ
بَيْنِ الصَّخِرْ وِالْمَرْجَلِه
بَيْنِ الْعُمُرْ وِالْمَرْحَلِه
عَمْ يِشِتْغِلْ عِزِّ الضُّهُرْ
عُطِشِ الجَبَلْ!
بِيْمِدّْ إِيْدُو عَ الْبَحِرْ!
هَايْ صُورْ!!
كَفِّ الْجَبَل
لَمَّا الْجَبَلْ
عَطْشَانْ أَوْ مَقْهور!”

بين المجاز والانطباع: اختلاف المقاربات الشعرية
النبرة القصصية التي اعتمدها عبدالله في هذه القصيدة لم تكن لإظهار حاجة جبل عامل للمدينة كما يقرأ العقل الواعي لأوّل وهلة بصورة سطحيّة، بل لارتباط هويّاتيّ متين للمدينة بهذا الجبل، صحيح أنّ الشاعر لم يخطىء لا على الصعيد الفنّي ولا على الصعيد التاريخي المتعارف عليه، لكنّه لم يدخل إلى خصوصيّة المدينة بالرغم من كلّ الإكسسوارات المعجميّة والجماليّة التي زركش بها المدينة واعتنائه بها قبل ربطها بجبل عامل:
“مِتْلِ الْحَكي الْمَتْرُوكْ بِالفنْجَانْ!
وْهُوّي وْمَاشِي الْبَحِرْ
مْنِ بْعِيدْ سَامِعْ صَوتْ
بِيْعَلِّيْ
شُو عَرَّفُو
إِنُّو أَدانِ الْعَصِرْ
وْصَارْ لَازِمِ يْصَلّي؟”
هل المكان هو القصيدة التي يبحث عنها المبدع؟
لم تكن قصيدة صور يومًا أمرًا شعريًّا أو فنيًّا محسومًا، فكلّ شاعر يرى هذه القطعة الجغرافيّة الضاجّة بالتاريخ بعين حرفه وتجربته، وانطلاقًا من قصيدة شوقي بزيع وسطرها: «أن المدينة والشعر ليسا نقيضين» يمكن الخروج بإشكاليّة بالغة الأهميّة: هل المكان هو القصيدة التي يبحث عنها المبدع؟ سؤال لا ينفي التنافس اللاواعي بين الشعراء الثلاثة على رسم صور وإيصالها نحو صيغتها الشعريّة الكاملة.

