لماذا ندفع الرسوم للبلدية؟

منى فياض

وظيفة البلدية هي إدارة الشؤون المحلية للمدينة أو البلدة، أي كل ما يتعلق بالحياة اليومية للمواطنين ضمن نطاق جغرافي محدد. دورها أساسي لأنها تمثل أقرب سلطة إلى الناس، وتتعامل مباشرة مع احتياجاتهم.

هذه بعض مهام البلدية في عدة مجالات:

  • النظافة والصحة العامة
  • جمع النفايات وإدارتها
  • تنظيف الشوارع
  • مكافحة الحشرات والقوارض
  • مراقبة المطاعم والأسواق من الناحية الصحية
  • البنية التحتية والخدمات
  • صيانة الطرق والأرصفة
  • إنارة الشوارع
  • إدارة شبكات الصرف الصحي (أحياناً بالتعاون مع جهات أخرى)
  • العناية بالحدائق والمساحات العامة

فهل تقوم البلدية حقاً بمهامها؟

هل شوارعنا مضاءة ونظيفة ولا تتكدس فيها النفايات؟ هل المطاعم والاسواق مراقبة كما يجب؟ هل أشجارنا مصانة؟

نحن ندفع ما هو مطلوب من رسوم البلدية، بعد مضاعفتها عدة مرات رغم انهيار الرواتب والتعويضات،  وفقدانها لقيمتها.

 ورغم الضغوط التي تطحن حياتنا اليومية، نلتزم بما علينا، ليس لأننا قادرون، بل لأننا نؤمن أن هناك حداً أدنى من النظام يجب أن يتوفر، خصوصاً بعد النزوح والفوضى التي تعم من حولنا. لكن ما نواجهه اليوم ينسف هذا الإيمان من أساسه.

الأمر لم يعد مجرد تقصير في تقديم الخدمات. ما نشهده هو خلل أعمق: غياب الرقابة، وترك المجال مفتوحاً أمام الفوضى والفساد.

وسأعطي مثالاً عن التعامل البلدي مع الاشجار في بيروت، آخر خط ضد التلوث الذي تخنقنا به المولدات الكهربائية غير المراقبة في بيروت.

في الشتاء المنصرم فوجئت بعمال “يشذّبون” الأشجار الممتدة من زاوية الإذاعة اللبنانية حتى وزارة الخارجية بشكل عنيف، يقطعون فروعها دون رحمة؛ وكأن للعمال ثأراً على تلك الأشجار المعمرة التي تزهر كل ربيع بألوانها الليلكية فتبهج النظر، وتظلّل أوراقها الأرصفة وتحمي من الحر. سألتهم لماذا تقسون على هذه الأشجار، ولماذا التقليم أصلاً؟ وبهذه الطريقة، هل لجعلها حطباً للتدفئة؟ قيل لي راجعي المسؤولين، فهم يريدون كشف إشارات الاضاءة الخاصة بالسير عند تقاطع الوزارة مع حديقة الصنائع!!

حقاً؟ هل سمعتم بمن يقطع أفرع اشجار لإظهار اشارة سير؟ بدل تغيير وضعيتها وجعلها مرئية في وسط الشارع؟ أوليست أصلاً معطلة معظم الأوقات؟ أو لا يحترمها السائقون؟

النتيجة يبست عدة اشجار منها والبقية أصبح حالها لا يسر عدواً.

 في المقابل نعاني في الأحياء الداخلية للصنائع من نمو الأشجار بشكل أنها تكبر وتتفرع وتحجب شرفات المنازل فتمنع وصول الضوء والهواء عنها. وهذه أول مرة ننتبه الى أن مثل هذه الأشجار تحديداً هي التي تحتاج الى تشذيب. كانت البلدية تقوم سنوياً بتشذيبها (مشكورة)، لكن منذ عامين او أكثر توقفت عن ذلك!!

حاولت السؤال عندما وجدت أشجار مشذبة في شارع موازٍ، فقيل لي ان السكان يجمعون المال (بالدولارات طبعاً) لإرضاء العمال كي يقوموا بعملهم؟؟!!

حسناً، عمال البلدية يتقاضون رواتبهم من المال العام، أي من جيوبنا نحن. ومع ذلك، يُطلب منا أن ندفع مرة ثانية، ولكن هذه المرة خارج القانون، تحت مسمى “تسهيل” أو “خدمة”. في الواقع، هذه ليست إكرامية، وليست مساعدة – إنها رشوة. بل أكثر من ذلك، إنها شكل من أشكال السرقة الموصوفة.

«إذا انهارت الدولة في الأعلى، فإن البلدية هي التي تمنع الانهيار الكامل في الأسفل»

فلماذا ندفع الرسوم أصلاً، إذا كنا سنُجبر على الدفع مرة أخرى للحصول على أبسط حقوقنا؟ من مياه وكهرباء وحتى السماح للشمس والهواء بزيارتنا؟

وحين يصبح تقليم شجرة، أو تنظيف شارع، أو إزالة تعدٍّ، مرتبطاً بمن يدفع أكثر، نكون قد انتقلنا من إدارة عامة إلى سوق مفتوح تُباع فيه الحقوق. هنا لا يعود الحديث عن سوء إدارة فقط، بل عن انهيار في مفهوم العدالة.

السؤال الأخطر: أين رقابة البلدية على موظفيها؟

أين المسؤولين الذين يفترض أن يمنعوا هذا الانحراف؟

هل ما يجري غير معلوم منهم؟ أم أنه معلوم ومسكوت عنه؟

الصمت هنا ليس حياداً، بل شراكة غير مباشرة. لأن ترك الفساد الصغير يتكرس في التفاصيل اليومية، يعني ترسيخه كنظام. وهو يبدو مترسخأ في لبنان على جميع الصعد.

المشكلة لم تعد في أشجار تكبر وتعتم الشرفات. المشكلة في أن المواطن لم يعد يعرف إن كان يعيش في ظل قانون، أم في ظل مزاجية أشخاص.

البلدية ليست شركة خاصة، ولا جمعية خيرية. هي سلطة عامة، تموَّل من الناس، ومهمتها خدمة الناس بالتساوي، كما هو حاصل في منطقة الأشرفية مثلاً. وعندما تفشل في ضبط موظفيها، فهي لا تقصّر فقط في واجبها، بل تفقد شرعيتها الأخلاقية.

إذا كان المواطن يدفع، فمن حقه أن يُخدَم دون إذلال.

وإذا كانت البلدية تتقاضى الرسوم، فمن واجبها أن تحاسب موظفيها وعمالها.

وإلا، فليُقال لنا بوضوح: المطلوب أن ندفع مرتين؟ مرة بالقانون، ومرة بالرشوة؟

أمِلنا خيراً في ظل العهد الجديد.

إذ كيف يمكن ان تستمر الدولة وهي ضعيفة مركزياً ومهملة على الصعيد البلدي؟ البلدية ضرورية الآن خصوصاً في هذه الأوقات الاستثنائية، لأنها خط الدفاع الأخير عن انتظام الحياة اليومية.

بمعنى آخر: إذا انهارت الدولة في الأعلى، فإن البلدية هي التي تمنع الانهيار الكامل في الأسفل.

السابق
انفجار تقني في قطر… ولا إصابات أو تسربات