على الرغم من الأجواء الدبلوماسية الإيجابية التي تلت الإعلان عن تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً إضافياً برعاية أميركية في واشنطن، شهدت الجبهة الميدانية في جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً خطيراً وخرقاً فاضحاً للتهدئة، حيث شنت الطائرات الحربية والمدفعية الإسرائيلية سلسلة من الهجمات العنيفة، بالتزامن مع عمليات تدمير ممنهجة لأحياء سكنية، مما فجّر موجة نزوح واسعة وجديدة للأهالي نحو مدينتي صيدا وبيروت.
خروقات متصاعدة ونسف لأحياء سكنية في العمق والحدود
ميدانياً، غابت مفاعيل الهدنة الممددة لتترك المجال لـ”طوق النار” الإسرائيلي الذي وسّع رقعة خروقاته؛ وشهدت الساعات الماضية الآتي:
- عمليات النسف في الخيام: سُمعت منذ ساعات الصباح الباكر سلسلة من الانفجارات المدوية في بلدة الخيام الحدودية، تبيّن أنها ناجمة عن قيام قوات الجيش الإسرائيلي بعمليات نسف وتفخيخ واسعة تستهدف مربعات وأحياء سكنية ومنازل كاملة داخل البلدة.
- الغارات الجوية: شنت المقاتلات الإسرائيلية غارات عنيفة استهدفت بلدات المنصوري، وتفاحتا، والبيسارية، وأنصارية، وكوثرية السياد، وأنصار في قضاء صيدا ومحافظة الجنوب. كما طالت الغارات بلدة يحمر الشقيف.
- قصف مدفعي مكثف: بالتزامن مع الغارات، تعرضت بلدات كفرتبنيت، وأرنون، ويحمر الشقيف، بالإضافة إلى الطريق الحيوية الواصلة بين أرنون وكفرتبنيت لقصف مدفعي مركز، مما أدى إلى شل حركة المرور وتدمير في الممتلكات.
وأمام هذا التهديد العسكري المباشر، وبعد الإنذارات الإسرائيلية الأخيرة التي طالت بلدات قضاء صيدا (قعقعية الصنوبر، كوثرية السياد، المروانية، الغسانية، تفاحتا، أرزي، البابلية، أنصار، والبيسارية)، شهدت هذه المناطق حركة نزوح كثيفة وحاشدة للأهالي والعائلات الذين غادروا منازلهم على عجل متوجهين نحو مدينتي صيدا وبيروت بحثاً عن أمان مفقود.
الحراك الدبلوماسي وثوابت الرئاسة اللبنانية
في المقابل، وعلى المقلب السياسي، واكبت الرئاسة اللبنانية التطورات ببيان رسمي صدر عقب الاتفاق على تمديد وقف إطلاق النار، وأكدت الرئاسة في بيانها أن تمديد وقف إطلاق النار وإطلاق مسار أمني برعاية أميركية يوفّران هامشاً ضرورياً من الاستقرار للشعب اللبناني، ويعززان دور مؤسسات الدولة، كما يفتحان مساراً سياسياً جدياً نحو تحقيق تهدئة واستقرار دائمين.
وأشار البيان إلى أن الولايات المتحدة ستتولى بشكل استباقي تسهيل وتعزيز قنوات التواصل والتنسيق العسكري المباشر بين لبنان وإسرائيل، وذلك عبر مسار أمني تفصيلي من المقرر أن ينطلق في 29 أيار (مايو) الحالي في مقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في واشنطن بمشاركة وفود عسكرية من البلدين.
وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن تحديد يومي 2 و3 حزيران (يونيو) المقبل موعداً لعقد جولة جديدة من المحادثات السياسية في واشنطن، تهدف إلى وضع أطر واضحة لاتفاق سياسي شامل وطويل الأمد، مع التزام الأطراف بمراجعة التقدم المحرز لتمديد وقف النار لفترات إضافية في حال أثمرت المفاوضات نتائج إيجابية.
من جهته، شدد الوفد اللبناني المفاوض على التزام لبنان الثابت بالانخراط البنّاء في المفاوضات، لكن مع التمسك المطلق بالسيادة الوطنية وحماية أمن المواطنين وسلامتهم. وأعلن الوفد أن أهدافه الرئيسية من هذه الجولات تتمثل في:
- ضمان عودة النازحين إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، وتحرير اللبنانيين المحتجزين في إسرائيل.
- تحويل الزخم الحالي للهدنة إلى اتفاق شامل ودائم يصون كرامة ومستقبل الشعب اللبناني.
- آلية تنفيذية مشروطة: لتفادي إخفاقات الترتيبات والاتفاقيات السابقة، أعلن الوفد اللبناني تمسكه بـ”آلية تنفيذ مرحلية وقابلة للتحقق ميدانياً”، مدعومة بضمانات أميركية صريحة، بما يضمن التزام إسرائيل بكافة البنود دون المساس أو الانتقاص من السيادة اللبنانية.
يُذكر أن وقف إطلاق النار الحالي كان قد دخل حيز التنفيذ في 17 نيسان/أبريل الماضي، إلا أن العمليات الحربية لم تتوقف تماماً على الأرض؛ حيث تواصل إسرائيل غاراتها وخروقاتها بذريعة استهداف منشآت “حزب الله”، في حين يواصل الحزب بدوره ردوده العسكرية وإطلاق صواريخه باتجاه المواقع الإسرائيلية تأكيداً على معادلة الردع.

