بين صدى الكلمات على المنابر وهدير الانكسارات في الميدان، يطلّ الشيخ نعيم قاسم ليرسم مشهداً من البطولات الافتراضية فوق ركام القرى المدمرة.
في خطابه الأخير، لم يكتفِ قاسم بإعادة تدوير أسطوانة ‘الردع’ التي ثقبتها التكنولوجيا الإسرائيلية، بل ذهب بعيداً في بيع الأوهام السياسية عبر ‘نقاط خمس’ يتحدث فيها عن السيادة، بينما لا يزال قرار صواريخه رهينة التفاهمات بين طهران وواشنطن.
هو خطابٌ يغترب عن واقع الجنوب النازف، ويحاول ردم الهوة العميقة بين ‘شبح’ القوة التي يدعيها، وحقيقة الميدان التي استباحت كل الخطوط الحمراء.
يطل الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم على اللبنانيين من جديد بلغةٍ “خشبية” لم تعد تسمن ولا تغني من جوع، مرعداً فرائص جيش العدو – بحسب ظنه – بجملٍ رنانة من قبيل “لن نترك الميدان وسنحوله جحيماً على إسرائيل”.
هي ذاتها اللغة التي استهلكها الحزب لعقود، لكنها اليوم تصطدم بجدار الحقيقة الميدانية القاسية التي تقول إن “الجحيم” لم يعد وصفاً لما سيفعله الحزب بالعدو، بل صار وصفاً دقيقاً لما يعيشه الجنوب والضاحية والبقاع تحت آلة الدمار الإسرائيلية التي تستبيح الأرض والعرض والقيادات.
انفصام بين الواقع والخطاب
يخرج الشيخ نعيم ليرسم في أفق لبنان المقفل “خمس نقاط” يدعو لتحقيقها، كمن يملك زمام المبادرة أو كمن يقود دولة عظمى تملك طائرات “الشبح” وصواريخ عابرة للقارات.
لكن المفارقة المضحكة المبكية هي أن هذا الخطاب يأتي في وقت فقد فيه الحزب قدرة الردع الحقيقية. فأي ردع هذا الذي يتحدث عنه الشيخ، والعدو يطال القيادات في اجتماعاتهم الأكثر سرية، ويغتال الكوادر وسط بيوتهم، ويمسح قرىً بأكملها عن الخارطة دون أن ترف له جفن؟
يخرج الشيخ نعيم ليرسم في أفق لبنان المقفل “خمس نقاط” يدعو لتحقيقها، كمن يملك زمام المبادرة أو كمن يقود دولة عظمى تملك طائرات “الشبح” وصواريخ عابرة للقارات
إن التهديد باستمرار القتال “حتى آخر شيعي في لبنان” هو مقامرة كبرى لم يعد بإمكان الطائفة أو الوطن تحملها.
فالحزب الذي كان يفاخر بـ”قواعد الاشتباك”، يبدو اليوم تائهاً في ميدان استباحته التكنولوجيا الإسرائيلية المتفوقة، بينما هو لا يملك السيادة حتى على مخازن صواريخه، التي يبدو أنها تخضع لقرار “إيراني صرف” مرتبط بمصالح طهران مع واشنطن، وليس بحاجة لبنان للأمن.
السلاح والاستراتيجية.. أسطوانة مشروخة
في خطابه الأخير، أعاد قاسم تكرار لازمة “لا علاقة لأحد خارج لبنان بالسلاح”، معتبراً أن تنظيم شؤون الدولة الداخلية قضية لبنانية بحتة.
هو كلام جميل في ظاهره، لكنه فارغ من مضمون السيادة في جوهره. فكيف تكون قضية السلاح “لبنانية بحتة” والقرار العسكري يُطبخ في غرف الحرس الثوري؟ وكيف يتحدث عن “استراتيجية أمن وطني” تستفيد من المقاومة، بينما هذه المقاومة ذاتها عطلت الدولة ومؤسساتها، ومنعت انتخاب رئيس للجمهورية، ورهنت مصير البلاد بمحاور إقليمية لا تلتفت لمصلحة المواطن اللبناني الفقير؟
إن التهديد باستمرار القتال “حتى آخر شيعي في لبنان” هو مقامرة كبرى لم يعد بإمكان الطائفة أو الوطن تحملها
يدّعي قاسم أن السلاح لا يدخل ضمن أي مفاوضات مع العدو، لكن الوقائع تثبت أن هذا السلاح صار هو “المشكلة” وليس “الحل”.
لقد سقط قناع “الجيش والشعب والمقاومة” تحت وطأة الانهيار الميداني، ولم يعد بالإمكان إقناع اللبنانيين بأن صواريخ توقفت عن الإطلاق بمجرد حصول تفاهم أمريكي-إيراني هي صواريخ “وطنية” تخدم مصلحة بيروت.
وهم “أوراق القوة” والمفاوضات
يدعو الشيخ نعيم إلى “مفاوضات غير مباشرة” مدعياً أن أوراق القوة بيد الجانب اللبناني. وهنا نسأل: عن أي قوة تتحدث يا سماحة الشيخ؟ هل هي قوة النزوح الذي شرد مئات الآلاف؟ أم قوة الاقتصاد المنهار الذي لم يترك للبنانيين ثمن رغيف الخبز؟ أم هي قوة الميدان الذي تُدمر فيه صواريخك يومياً قبل أن تنطلق؟
إقرأ أيضا: مضيق هرمز ولبنان: كيف تحوّلت دماء المنطقة إلى أوراق تفاوض إيرانية؟
إن رفض المفاوضات المباشرة بذريعة أنها تمنح إسرائيل مكاسب هو “هروب للأمام”. الحقيقة هي أن الحزب يخشى الجلوس على الطاولة لأنه يدرك أن زمن “الإملاءات” قد ولى، وأن أي مفاوضات حقيقية ستعني حتماً نزع السلاح غير الشرعي وبسط سيادة الدولة اللبنانية، وهو أمر يراه الحزب “انتحاراً”، بينما يراه اللبنانيون “خلاصاً”.
المشروع الإيراني والورقة الأمريكية
الملفت في كلام قاسم هو إقراره الضمني بأن “التفاهمات بين إيران والولايات المتحدة” هي الورقة الأقوى لوقف العدوان. هنا، سقط القناع تماماً. لقد اعترف الحزب، بلسان أمينه العام، أن قرار السلم والحرب في لبنان ليس في يد اللبنانيين، بل هو مرهون بما تتوصل إليه طهران مع واشنطن. إذاً، أين هي “الاستراتيجية الوطنية”؟ وأين هي “السيادة” التي يصدعون رؤوسنا بها؟
يدعو الشيخ نعيم إلى “مفاوضات غير مباشرة” مدعياً أن أوراق القوة بيد الجانب اللبناني. وهنا نسأل: عن أي قوة تتحدث يا سماحة الشيخ؟ هل هي قوة النزوح الذي شرد مئات الآلاف؟ أم قوة الاقتصاد المنهار الذي لم يترك للبنانيين ثمن رغيف الخبز؟
إن لبنان يُستخدم اليوم كصندوق بريد وكساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. قاسم يتحدث عن “إسرائيل الكبرى”، بينما هو يساهم في تحويل لبنان إلى “مقاطعة إيرانية” منهارة، لا تملك من أمرها رشداً، وتدفع أثماناً باهظة من أجل بقاء نظام لا يرى في اللبنانيين سوى “دروع بشرية”.
إن النقاط الخمس التي طرحها نعيم قاسم، ودعوته لتنظيم الوضع الداخلي بناءً على “عناصر القوة”، ليست سوى محاولة لبيع الأوهام لجمهور متعب ومثقل بالجراح.
الواقع يثبت أن حزب الله بات عاجزاً عن الردع، وغير قادر على حماية نفسه، فضلاً عن حماية لبنان.
إن الاستمرار في لغة التهديد والوعيد، والتمسك بسلاح لم يعد يحمي أحداً، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخراب. المخرج الوحيد ليس في “النقاط الخمس” لقاسم، بل في نقطة واحدة وحيدة: العودة الكاملة إلى كنف الدولة اللبنانية، وتسليم السلاح للجيش اللبناني، والاعتراف بأن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون لبنانياً خالصاً، بعيداً عن أهواء الولي الفقيه أو تفاهمات طهران وواشنطن.
لقد آن الأوان ليتوقف الشيخ نعيم عن ممارسة “البلاغة العسكرية” على ركام القرى المدمرة، وليعترف بأن الميدان قد قال كلمته: السلاح الذي لا يقرره لبنان، لا يحمي لبنان.

