لبنان يتمسك بخيار التفاوض.. وإسرائيل تدفع نحو توسيع بنك الأهداف

ISRAEL

في لحظة إقليمية مشبعة بالتصعيد والرسائل العسكرية المتبادلة، يحاول لبنان التمسك بخيط رفيع اسمه “التفاوض”، فيما تدفع إسرائيل في الاتجاه المعاكس، نحو توسيع “بيكار” ضرباتها وفرض وقائع ميدانية بالقوة. وبين هذا وذاك، تتحرك الدبلوماسية الدولية على خط بيروت، مع وصول الموفد الفرنسي جان إيف لودريان هذا الأسبوع، في محاولة لإعادة إحياء الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

الزيارة الفرنسية لا تأتي في فراغ، بل في سياق سباق دولي محموم لاحتواء التدهور، وسط تحضيرات غير مكتملة لجولة ثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، من دون موعد نهائي حتى الآن، وإن كانت المؤشرات ترجّح انعقادها قريبًا.

عون يرسم الخطوط الحمراء: الجيش أولًا والسلم الأهلي فوق الجميع

في الداخل، يرفع رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون سقف المواقف، واضعًا معادلة واضحة: لا استقرار من دون جيش، ولا دولة من دون قرار مركزي بالأمن. من قصر بعبدا، أطلق عون رسائل متعددة الاتجاهات، مؤكدًا أن الجنوب المتعب ينعكس على كامل الجسد اللبناني، وأن الوقت حان لعودة الجيش ليتولى مهامه كاملة كقوة وحيدة مسؤولة عن الأمن.

كلام عون لم يخلُ من التحذير السياسي، إذ شدد على أن السلم الأهلي “خط أحمر”، وأن أي محاولة للعب على وتر الفتنة الطائفية ليست سوى خدمة مجانية لإسرائيل. في المقابل، بدا واضحًا أن رئيس الجمهورية يضع كل ثقله خلف خيار التفاوض، معتبرًا أنه المسار الوحيد المتبقي بعد استنزاف كل البدائل، وعلى رأسها الحرب.

الثنائي يرفض… والمعارضة تهاجم: صراع الشرعيات يتفجر

لكن هذا المسار لا يمرّ بسلاسة داخلية. فـ“حزب الله” وحلفاؤه، وعلى رأسهم النائب حسن عز الدين، يرفضون مبدأ التفاوض المباشر، ويتمسكون بصيغة “التفاوض غير المباشر والتقني”، في استعادة واضحة لنموذج ترسيم الحدود البحرية. موقف يذهب أبعد من الشكل، ليطعن في جوهر العملية التفاوضية، عبر التساؤل عن جدواها في ظل استمرار الاحتلال وعدم القدرة على فرض وقف إطلاق النار.

في المقابل، يشنّ رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع هجومًا سياسيًا حادًا، رافعًا لواء “الشرعية الدستورية” في وجه المعترضين. جعجع يضع المعادلة بصيغة صدامية: من لا يعترف بمفاوضات يقودها رئيس الجمهورية والحكومة، إنما يتنكر للدولة نفسها، ويضع نفسه خارج الإجماع الوطني.

إسرائيل تلوّح بالنار: توسيع الضربات خيار مطروح

خارجيًا، لا تبدو إسرائيل في وارد إعطاء فرصة حقيقية للمسار التفاوضي. فالتسريبات الأمنية التي نقلتها وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية تشير بوضوح إلى أن تل أبيب تدرس توسيع عملياتها العسكرية ضد “حزب الله” في مختلف أنحاء لبنان، خصوصًا في حال انهيار التهدئة مع إيران.

الرسائل الإسرائيلية لا تقف عند حدود التهديد. إنذارات بالإخلاء، إعادة فتح الملاجئ، وضغوط على واشنطن لرفع القيود المفروضة على العمليات شمال الليطاني، كلها مؤشرات على أن خيار التصعيد ليس مجرد احتمال، بل خطة جاهزة تنتظر اللحظة السياسية المناسبة.

لبنان على حافة التوازن: وحدة الداخل في مواجهة خطر الانفجار

في موازاة هذا المشهد المتفجر، يتحرك الداخل اللبناني على إيقاع الخوف من الانهيار الداخلي. لقاءات سياسية، أبرزها بين نبيه بري وجبران باسيل، تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الخطر لم يعد خارجيًا فقط، بل داخلي أيضًا، وأن أي اهتزاز في الوحدة الوطنية قد يكون أكثر فتكًا من الحرب نفسها.

بالتوازي، تحاول المؤسسة العسكرية فرض هيبتها في الداخل، عبر ملاحقة مظاهر الفوضى الأمنية، فيما يسعى مصرف لبنان إلى ضبط الفوضى المالية عبر تعزيز الدفع الإلكتروني والحد من الاقتصاد النقدي، في محاولة لاحتواء أزمة تتفاقم على كل المستويات.

خلاصة المشهد: تفاوض تحت النار

لبنان اليوم يقف في منطقة رمادية قاتلة: يتمسك بالتفاوض كخيار أخير، فيما تُفرض عليه وقائع ميدانية بالنار. وبين إرادة الدولة ومحاولات التعطيل الداخلي، وضغوط الخارج وتصعيده، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح لبنان في فرض مسار سياسي ينقذه، أم أن منطق القوة سيبتلع ما تبقى من الدولة؟

السابق
تحرك أمريكي-خليجي في مجلس الأمن لمحاسبة طهران وإنهاء «ابتزاز» الملاحة في مضيق هرمز
التالي
المقاومة بالدبلوماسية: عندما تصبح «المكابرة العسكرية» عبئًا على الوطن