دخل القاضي نوّاف سلام إلى مجلس الوزراء بصفته الوطنيّة العلمانيّة، كرئيس حكومة أراد أن يكون جامعًا للبنانيين جميعًا. إلا أنّ فئة تمتلك فائضًا من القوّة والإحباط سارعت إلى تخوين كل من قال للحروب العبثيّة “لا”، وكل من قدّم مشروع بناء الدولة على مشاريع النفوذ والمصالح الخاصة.
ليس الهدف هنا التقريظ أو المديح المجّاني. فسلام، الذي يحمل الدستور في يد واتفاق الطائف في الأخرى، ويختزن مسارًا قانونيًا طويلاً في مواجهة إسرائيل عبر المحكمة الدوليّة، ما زال يفتقد إلى خطة سياسية واستراتيجية واضحة تمكّنه من بناء قاعدة شعبيّة صلبة.
نبض سياسي بلا شارع
يمتلك نواف سلام اليوم حضورًا معنويًا ونبضًا سياسيًا، لكنه لا يملك شارعًا فعليًا. ويعود ذلك إلى انكبابه على المنهجيّة القانونيّة والدستوريّة وتجنّبه الخطاب السياسي التعبوي خارج إطار الخطابة الرسمية.
هذا الأسلوب أكسبه احترامًا مؤسساتيًا، لكنه حرمه من تحويل اللحظات السياسية المؤاتية إلى رصيد شعبي مستدام.
دريان يتقدّم المفتي: دعم ديني بنكهة سياسية
وسط الانتقادات، برز موقف مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة الدكتور عبد اللطيف دريان أمس في احتفال جمعية المقاصد، الذي تقدّم خطوة إلى الأمام داعمًا رئيس الحكومة من منبر علمي أكاديمي تربوي.
المفتي، الذي وُجّه إليه سابقًا لوم بسبب صمته خلال ذروة الأزمة الاقتصاديّة، اختار هذه المرّة خطابًا سياسيًا انفعاليًا يقوم على شدّ العصب اللبناني والسنّي، مستفيدًا من حساسيّة المرحلة ومحاولًا ترميم القلق المتصاعد في الشارع السنّي بعد أحداث ساقية الجنزير والهتافات التي طالت رئيس الحكومة ووصمته بالعمالة.
التصفيق السياسي… الذي لا يتحوّل إلى قوّة
حصلت حكومة سلام على موجات دعم وتصفيق متتالية: عند تصنيف حزب الله منظمة خارجة على القانون، عند إعلان بيروت مدينة منزوعة السلاح، وعند إعلان وزير الخارجيّة يوسف رجي طرد السفير الإيراني باسم الحكومة.
إلا أنّ هذه اللحظات سرعان ما تذوب، إذ يعجز رئيس الحكومة عن تدوير هذا الدعم وتحويله إلى سلوك سياسي دائم أو قاعدة تأثير حقيقية.
رسالة دريان: دفع سياسي لرئيس يرفض دور “الأمير“
يحمل خطاب المفتي دريان دعمًا واضحًا لسلام، وهو دعم يُشكر عليه انطلاقًا من مكانته الدينية والاجتماعية والوطنية. لكنه في العمق يشكّل دفعة سياسية لرئيس حكومة يرفض أن يكون “الأمير” الميكافيلي في بلد تحكمه شريعة الغاب، حيث اختُطف صوت الدستور منذ تسعينيات القرن الماضي.
التحدّي الحاسم: من الشرعيّة إلى العصبيّة السياسيّة
إذا كان ابن خلدون قد عرّف الثورة بأنها انتقال من عصبيّة إلى أخرى، فإنّ التحدّي أمام نواف سلام اليوم هو بناء عصبيّته السياسية الخاصة، والخروج من الدوران داخل الإطار القانوني البحت.
فالمرحلة لا تختبر النوايا بل القدرة على الفعل.
إمّا أن يكون رئيس الحكومة صارمًا بحجم الانهيار الذي يعيشه لبنان، أو سنجد أنفسنا نردّد مجددًا: “فشلنا..ورجعنا إلى نقطة الصفر”!!

