لم تعد الأزمة اللبنانية مجرد أزمة حكم أو فساد أو انهيار اقتصادي متراكم. ما يجري اليوم أعمق بكثير، لأنه يمسّ جوهر فكرة الدولة نفسها ومعنى السيادة في سياقها العملي. فالدولة، في تعريفها الكلاسيكي، هي احتكار الشرعية السياسية والعسكرية داخل حدودها.
لكن في الحالة اللبنانية، هذا التعريف لم يعد مستقراً، بل بات موضع تنازع دائم بين النصوص الدولية من جهة، والواقع الداخلي من جهة أخرى. هنا تتداخل الدولة مع قوى مسلحة تملك قراراً مستقلاً عنها، ما ينسف عملياً وحدة القرار السيادي.
منذ سنوات، تتكرر العناوين الكبرى نفسها في القرارات الدولية والتفاهمات السياسية: حصرية السلاح، بسط سلطة الدولة، وإنهاء ازدواجية القرار الأمني. غير أن هذا التكرار لم يُنتج أي تحول بنيوي حقيقي، بل عمّق الفجوة بين ما يُكتب دولياً وما يُمارس فعلياً على الأرض.
وهكذا بات لبنان يعيش في مستويين متوازيين، دولة مكتملة في النص، ودولة مجتزأة في الواقع. تتقاسمها سلطات أمر واقع متعددة، وتخضع لتوازنات داخلية وإقليمية تجعل من تطبيق أي قرار سيادي مهمة شبه مستحيلة.
من 1559 إلى 1701… تثبيت الفكرة وتعثر التطبيق
عندما صدر القرار 1559، كان واضحاً في جوهره حين دعا إلى «حلّ جميع الميليشيات اللبنانية ونزع سلاحها». لم يكن النص ملتبساً، بل وضع مبدأ مباشراً، لا شرعية لأي قوة مسلحة خارج إطار الدولة.
لاحقاً، جاء القرار 1701 بعد حرب 2006 ليعيد تثبيت هذا المبدأ ضمن إطار أكثر تحديداً. فقد أكد بوضوح عدم وجود أي سلاح أو سلطة غير سلطة الدولة، خصوصاً في جنوب لبنان، وربط الاستقرار الإقليمي بقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على كامل أراضيها.
لكن ما ثبت في النص لم يترسخ في الواقع. فقد خضعت هذه القرارات لتأويلات سياسية داخلية فرغتها من مضمونها، وحولتها من التزامات ملزمة إلى شعارات سياسية قابلة للاستهلاك.
ومع مرور الوقت، تحولت إلى إطار نظري يُستدعى في الخطاب السياسي والدبلوماسي، من دون أي ترجمة فعلية على الأرض.
نص واضح، وتطبيق جزئي، وفجوة تتسع بين الالتزام والواقع
في 27 تشرين الثاني 2024، جاء تفاهم وقف الأعمال العدائية ليعيد تثبيت القرار 1701، لكن هذه المرة في سياق أكثر التصاقاً بالميدان. غير أنه لم يخرج عن كونه إعادة تدوير للنص نفسه في بيئة أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع الاعتبارات المحلية مع الحسابات الإقليمية.
والنتيجة بقيت نفسها، نص واضح، وتطبيق جزئي، وفجوة تتسع بين الالتزام والواقع، ما يجعل أي استقرار هشاً ومؤقتاً.
إعلان النوايا… تشخيص مباشر بلا مواربة
ضمن هذا المسار، جاء إعلان النوايا في 19 نيسان 2026 ليكسر لغة المجاملات السياسية. إذ نصّ بوضوح على أن «لبنان وإسرائيل توصلا إلى تفاهم يعمل البلدان بموجبه لتهيئة الظروف المواتية للتوصل إلى سلام دائم بينهما».
كما أكد أنهما «ليسَا في حالة حرب» ويلتزمان «بالانخراط في مفاوضات مباشرة بحسن نية».
لكن الأهم أنه وضع الإصبع مباشرة على جوهر الأزمة اللبنانية، حين أقرّ بأن «الجماعات المسلحة غير الحكومية… تقوض سيادة لبنان وتهدد الاستقرار الإقليمي». هنا لم يعد الأمر توصيفاً دبلوماسياً، بل تشخيصاً صريحاً لانهيار مفهوم السيادة.
يربط الإعلان أي تقدم سياسي بشرط واضح، أن «يثبت لبنان فعلياً قدرته على فرض سيادته»
وينتقل النص إلى مستوى أكثر حدة حين يشدد على أن «تقتصر القوات المصرح لها حمل السلاح على القوات المسلحة اللبنانية»، أي إعادة تعريف الدولة بوظيفتها الأساسية، احتكار القوة، لا مشاركتها.
ثم يربط الإعلان أي تقدم سياسي بشرط واضح، أن «يثبت لبنان فعلياً قدرته على فرض سيادته». أي أن السيادة لم تعد شعاراً، بل اختباراً عملياً يومياً للدولة.
الدولة بين النص والعجز
في موازاة ذلك، اتخذت الدولة اللبنانية قرارات تبدو على الورق متطابقة مع هذا المسار. فقد أقرّ مجلس الوزراء في 5 و7 آب 2025 خطوات لنزع سلاح «حزب الله»، ثم عاد في 2 آذار 2026 ليعلن حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب.
كما تم إقرار جعل بيروت الإدارية منطقة منزوعة السلاح في مجلس الوزراء، في محاولة لإظهار حضور الدولة في قلب العاصمة.
لكن هذه القرارات بقيت عملياً حبراً على ورق. إذ لم تتحول إلى سياسة تنفيذية جدية، بل إلى إجراءات جزئية ومحدودة، شملت مظاهر شكلية لا تمس جوهر المشكلة.
وهكذا تحولت الدولة إلى جهة تُعلن أكثر مما تُنفذ، وتُصدر قرارات أكثر مما تفرضها.
وهذا التناقض لم يعد تفصيلاً إدارياً، بل أصبح عاملاً مركزياً في تآكل الثقة بالدولة ومؤسساتها.
بات الجنوب ساحة مفتوحة لصراع إقليمي تُدفع كلفته على الأرض اللبنانية مباشرة
فبينما تستمر المواجهة بين إسرائيل وإيران بالوكالة عبر «حزب الله» في الجنوب، تتوسع رقعة الدمار والنزوح، مع ما يرافق ذلك من تجريف قرى بأكملها ضمن ما يُعرف بـ«منطقة الخط الأصفر». وبات الجنوب ساحة مفتوحة لصراع إقليمي تُدفع كلفته على الأرض اللبنانية مباشرة.
بين منطق النص ومنطق القوة
في المقابل، تتعامل إسرائيل مع النصوص كأدوات عمل لا كإعلانات سياسية. فهي تستند إلى إعلان النوايا الذي يمنحها حق «اتخاذ كافة التدابير الضرورية للدفاع عن نفسها».
وهكذا يتحول النص إلى غطاء قانوني لحركة عسكرية مستمرة، في ظل غياب قدرة لبنانية مقابلة على فرض التزاماتها.
أما لبنان الرسمي، فيضع شروطاً مسبقة لأي مسار تفاوضي، أبرزها وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة النازحين إلى قراهم وغيرها من الشروط.
لكن هذه المقاربة، رغم مشروعيتها، تضعه عملياً في موقع انتظار، لا مبادرة، وتربطه بشروط لا يملك أدوات فرضها.
في المحصلة: دولة مؤجلة
في النهاية، لا تبدو المشكلة في غياب النصوص، بل في غياب القدرة على تنفيذها.
فالمبدأ واضح، لا دولة مع سلاح خارجها.
لكن الواقع يقول شيئاً آخر، دولة موجودة في النص، ومجزأة في الممارسة.
وهنا تصبح الإشكالية أعمق من السياسة اليومية، إنها أزمة تعريف الدولة نفسها.
في ظل هذا الواقع، يبقى لبنان أمام خيارين، إما إدارة هذا التناقض المفتوح بكل ما يحمله من استنزاف، أو الانتقال إلى مرحلة تُفرض فيها السيادة كحقيقة فعلية.
لكن هذا الانتقال لا يبدو ممكناً داخلياً وحده، في ظل توازنات تمنع الحسم. من هنا، يبرز خياران: إما رعاية ومساعدة عسكرية وأمنية دولية–عربية بقيادة الولايات المتحدة لضمان التنفيذ، أو الذهاب إلى مجلس الأمن لفرضه تحت الفصل السابع.
وبين الخيارين، يبقى السؤال مفتوحاً، هل لا يزال لبنان قادراً على استعادة دولته، أم أن استعادتها باتت تحتاج من يعيد فرضها عليه من الخارج؟

