أولاً: مدخل منهجي : خطأ اختزال ظاهرة حزب الله بالسلاح
لا يخدم حزب الله مصالح شيعة لبنان ولا سلامة عمرانهم واستقرارهم، بل يعمل على تنظيمهم وتأطيرهم ضمن بنية عقائدية – تنظيمية مغلقة، تُعيد تشكيل وعيهم وتُسخّر طاقتهم لتكون في خدمة مشروع إقليمي تقوده إيران، حتى ولو أدى ذلك إلى انخراطهم في حروب مدمّرة أو خيارات انتحارية على مستوى الجماعة.
ومن هنا، فإن المقاربة التي ترى أن جوهر مشكلة حزب الله يكمن فقط في امتلاكه سلاحاً يمنحه تفوقاً عسكرياً وسياسياً على بقية القوى اللبنانية، هي مقاربة قاصرة. والأكثر خطورة هو الاعتقاد بأن الحل يكمن في عملية عسكرية تستهدف مستودعات السلاح أو الأنفاق أو مراكز التخزين. هذا الطرح لا يعبّر فقط عن تبسيط مخلّ، بل عن مقامرة، لأنه يتجاهل أن السلاح ليس إلا نتيجة، بينما السبب الحقيقي هو منظومة سلطة متكاملة تدير هذا السلاح وتحميه وتعيد إنتاجه.
ثانياً: منظومة الحصريات – البنية العميقة للسيطرة
تمارس الثنائية الشيعية (حزب الله وحركة أمل) منظومة من الحصريات المتشابكة، حيث تعزّز كل حصرية الأخرى، ما يجعل تفكيك أي واحدة منها دون الأخرى أمراً شبه مستحيل.
1. الحصرية العسكرية: احتكار قرار الحرب والسلم
يمتلك حزب الله بنية عسكرية متكاملة: قيادة، سيطرة، لوجستيات، وتسليح متطور، يتيح له خوض حروب متعددة، سواء ضد إسرائيل أو ضمن صراعات إقليمية.
الأخطر أنه يمارس هذا الدور خارج أي مساءلة أو رقابة، ومن دون الالتزام بقرارات الدولة اللبنانية أو بالقانون الدولي، ما يجعله كياناً عسكرياً مستقلاً داخل الدولة.
2. الحصرية السياسية: احتكار التمثيل النيابي وتعطيل النظام الديموقراطي
تسيطر الثنائية على كامل التمثيل الشيعي النيابي، ما يمنحها قدرة على:
تعطيل تشكيل الحكومات وتكبيلها بشروط معيقة أو بحيازة وزارات حاكمة، وفرض شروطها على الاستحقاقات الدستورية، والتحكم برئاسة مجلس النواب لعقود مديدة، وتعطيل انتخاب رئيس الجمهورية اكثر من مرة، وهذا الواقع يقوّض فعلياً النظام الديمقراطي، ويحوّل البرلمان إلى أداة بيد رئيسه.
3. الحصرية الإدارية: التحكم بالتعيينات الادارية والامنية والتشكيلات القضائية
تمسك الثنائية الحزبية بالحصة الشيعية في التعيينات، وتفرضها خارج الأطر القانونية، ما يؤدي إلى تكريس الزبائنية بدل الكفاءة ، وضرب استقلال القضاء، وإخضاع الكفاءات لشرط الولاء السياسي لها، حتى أصبح الاعتقاد سائداً بأن أي ترقٍ وظيفي لمواطن شيعي مشروط بموافقة نبيه بري.
4. الحصرية الخدماتية: إخضاع المواطن عبر حاجاته لخدمات عامة
تتحكم الثنائية بخدمات الدولة في المناطق الشيعية (الصحة، التعليم، الضمان الصحي، برامج الشؤون الاجتماعية، الكهرباء…)، ما يجعل المواطن مجبراً على المرور عبرها لنيل حقوقه الأساسية.
5. الحصرية الاجتماعية: احتكار الرعاية البديلة
في ظل ضعف الدولة، تنشأ خدمات بديلة اهلية او مدنية، لكن في البيئة الشيعية، هذه الخدمات ليست مستقلة، بل مرتبطة مباشرة بالأحزاب، ما يحوّل الرعاية الاجتماعية الاهلية إلى أداة ضبط سياسي.
6. الحصرية الاقتصادية: شبكة الرواتب والتقديمات العينية
يُعد حزب الله من أكبر أرباب العمل، حيث يدفع عشرات آلاف الرواتب ( ٨٥ الف راتب)، ما يخلق كتلة انتخابية مرتبطة به مادياً، ويوزع فضلا عن ذلك مساعدات عينيةغذائية ومحروقات للتدفئة في المناطق الباردة، ويحوّل الاقتصاد إلى أداة سياسية، وفيما يضبط قانون الانتخاب اللبناني الانفاق المالي في الحملات الانتخابية، لا تصنف رواتب حزب الله ومساعداته الموزعة، مالا سياسيا او مصاريف لكسب الولاء.
7. الحصرية الميدانية: اقتصاد الظل
تنتشر شبكات خدمات (مولدات كهرباء، توزيع مياه، إنترنت، اشتراكات سواتل مقرصنة، شركات امنية، و valets parking) مرتبطة بقوى الأمر الواقع، إضافة إلى أنشطة غير مشروعة كالقمار والمخدرات، ما يعمّق اقتصاداً موازياً محمياً سياسياً، وتسيطر الثنائية الحزبية، في مناطقها وفي بعض احياء العاصمة بيروت، على هذه النشاطات وتستثمرها لصالحها مالا ونفوذا وهيمنة.
8. الحصرية المالية العابرة للحدود
يمتلك الحزب شبكات تمويل دولية تشمل: غسل الأموال، التجارة غير المشروعة، والالتفاف على العقوبات، وهو شريك اساسي، للحرس الثوري الايراني في المنهبة العراقية، وقد تمتع حزب الله بدور بارز في العراق من خلال ممثله الشيخ محمد كوثراني.
9. الحصرية العقائدية: ولاية الفقيه
تشكل ولاية الفقيه الأساس العقائدي، حيث تصبح الطاعة السياسية للمرشد الإيراني واجباً دينياً، ما يلغي أي استقلال سياسي أو وطني لبناني. حدث ذلك نتيجة انقلاب فقهي نقل الشيعة من التشيّع النقدي المتعدد إلى التشيّع السلطوي الاحادي؛ كان التشيّع تاريخياً يقوم على رفض شرعية السلطة في زمن غياب الإمام، لكن الخميني قلب هذه المعادلة: أصبح الفقيه نائباً عن الإمام، وتحوّل من مرشد إلى حاكم، وتحوّل الدين إلى أداة حكم، وهذا الانقلاب أدى إلى: تسييس الدين، وعسكرة الفقه، وإنشاء منظومة أمنية – عقائدية عابرة للحدود.

ثالثا: السيطرة الثقافية والاجتماعية
1. مصادرة الفضاء الديني
يسيطر الحزب على المساجد والحسينيات، ويوجه الخطاب الديني، ما يتيح له تشكيل الوعي الجماعي.
2. الاعلام بعد اضافي من منظومة السيطرة.
تولي ايران اهمية فائقة لدور الاعلام بكل اشكاله، من دور النشر ومعارض الكتب، واصدار الصحف والمواقع الاكترونية و المجلات وتمويلها، الى مراكز الدراسات والحوار، وتمتلك وتمول شبكة من المحطات التلفزيونية يصل عددها الى اكثر من مائة محطة بلغات عديدة، بعضها ايراني واخرى عراقية ويمنية وفلسطينية وايضا لبنانية، وتمتلك ثنائية امل وحزب الله، دون غيرها من الاحزاب اللبنانية، بعد اقفال تلفزيون المستقبل، وخروج الLBC من قبضة حزب القوات اللبنانية، تمتلك الثنائية الحزبية محطتين تلفزيونيتين شرعيتين، خلافا لقانون الاعلام المرئي والمسموع، الذي يمنع امتلاك محطات تلفزيونية من حزب سياسي بشكل منفرد.
3. إعادة تشكيل الهوية
يسعى لفرض النموذج الإيراني على مجتمع لبناني متنوع، من خلال برامج تعنى بالتعليم الديني في المدارس الرسمية والثانويات، ومن خلال تنشئة ايدلوجية شاملة في مدارس المهدي والمصطفى، ومن خلال كشافة المهدي ولجان التعبئة الطلابية في الجامعات، ورغم تحقيقه حضورا فاعلا في هذا المجال، فإنه يصطدم بعمق ثقافي لبناني متجذر. ويعيش أبناء قيادات الحزب وعائلاتهم، نمط حياة حديثاً، ما يكشف ازدواجية بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة الفعلية. و يواجه نموذج ولاية الفقيه رفضاً متصاعداً، حتى داخل إيران ما يطرح تساؤلاً حول قابلية تصديره.
رابعاً: تحويل الطائفة الشيعية الى رهينة
لم يتحول المجتمع الشيعي في لبنان إلى “رهينة” بقرار مفاجئ، بل عبر مسار تراكمي معقّد. بدأ حزب الله شرعيته عبر مقاومة الاحتلال. بعد عام 2000، تحوّل السلاح من أداة مقاومة إلى وسيلة تفوّق داخلي، ما ساهم بدعم من نظام الاسدين، في إقفال المجال أمام أي بدائل سياسية، بعد ان كان المجتمع الشيعي يحفل بديناميات التعدد السياسي والاجتماعي.
بالتوازي، تم احتكار التمثيل السياسي الشيعي، وربط المعيشة اليومية لاي مواطن بالولاء، عبر شبكات وظائف وخدمات ومساعدات. كما جرت السيطرة على المجال الديني والثقافي، مع ترسيخ عقيدة «ولاية الفقيه» التي حوّلت الطاعة السياسية إلى التزام ديني. وأُضعفت النخب المستقلة في الساحة الشيعية، كما استُخدم الخوف من الاغتيالات و التهديدات كأداة ضبط. ومع اندماج الحزب في المشروع الإيراني الإقليمي إستتب الامر لقيام بنية متكاملة تجمع بين السلاح، والاقتصاد، والعقيدة، والسياسة، وتغير اسم المواطنين اللبنانيين، من الطائفة الشيعية اللبنانية، إلى “بيئة حزب الله”.
أول من اطلق تعبير ” بيئة المقاومة او حزب الله” كان الحزب نفسه، كان يريد ان يقيم تماهيا كاملا بين الحزب كتنظيم عسكري امني وسياسي من جهة اولى وبين المواطنين المدنيين الشيعة، من جهة ثانية، كان يريد ان يصوٍّر ان الشيعة لم يعودوا طائفة من المواطنين الذين يمارسون انماط العيش كبقية اللبنانيين، بل تخندقوا في قلعة اسبارطية مقاتلة، وانه قد انجز عسكرة الطائفة بشكل كامل، وقد كلف “الأهالي” بمواجهة قوات اليونيفيل في جنوب لبنان، لإلزامها بما يريده الحزب من حدود لدورها وتحركاتها، وقد طرب العقل الطائفي اللبناني في الاعلام والمنابر السياسية الاخرى، لهذا التعبير، “بيئة حزب الله”، وهو وصف لم يسهل على هذه الاطراف ممارسة الكراهية السياسة لكل ما هو شيعي فحسب! بل أتاح لإسرائيل، أن تذهب الى استغلال حماقات حزب الله بإعلانه عسكرة الطائفة واختصارها كصدفة محار تحميه، فأصبحت القرى والمدن والعمران الشيعي اهدافا مشروعة لإسرائيل، خلافا للقانون الدولي الذي يفترض حماية المدنيين اثناء الحرب، واوغلت اسرائيل في جرائمها، ليس لاستهداف حزب الله كتنظيم امني عسكري فقط، بل لتقتلع بيئته من قراها ومدنها، عبر جريمة التهجير الجماعي القسري، واقامة منطقة عازلة على حدود الخط الاصفر الذي رسمته، و جريمة الحرب هذه، مهد لها حزب الله، وشارك بها الاعلام وناشطون سياسيون، ثم ارتكبتها اسرائيل بوحشية وصلافة.
خامسا: منظومة سيطرة ايران في مواجهة تحديات جسام
ليس الاستعصاء الشيعي في لبنان مجرد حالة طائفية، بل يطرح تحديات جسام على مستويات متنوعة؛
1) على المستوى اللبناني:
- جعل قرار السلم والحرب في لبنان بيد ايران فارتباط الحزب بمحورها الإقليمي يجعل لبنان ساحة صراعات لا تخدم مصالحه.
- انتهاك سيادة الدولة بتجاوز حقها الحصري بامتلاك العنف واستعماله حسب القانون.
- تعطيل النظام الديموقراطي البرلماني ووظائف المؤسسات الدستورية و آليات اعادة بناء الدولة وتداول السلطة.
- الامساك بمفاصل السلطة واستحواذ المفاتيح الاساسية في الادارة والامن والقضاء والمال واستعمالها لأغراض فئوية وخلافا للقانون، وافساد نظام الامرة في المؤسسات وجعل السلطة السياسية عاجزة عن تنفيذ قراراتها، او ممارسة الرقابة والمحاسبة على العاملين لديها. ويمتلك حزب الله ادوات عمل منظمة في مختلف مؤسسات الدولة والقطاعات الانتاجية، اكثر ولاء للحزب من ولائهم لدولتهم، واكثر انضباطا والتزاما بتعليمات الحزب بدلا من تعليمات الدولة، واكثر فاعلية في ادائهم الفئوي من اداء العاملين معهم من طوائف اخرى.
ويشكل التمرد المستدام على الدولة وبناء بديل عنها ؛ بأدوات اكثر تنظيما وفاعلية وانضباطا أزمة وطنية لبنانية شاملة.
2) على المستوى العربي والدولي
يطرح دور حزب الله الاقليمي تحديات معقدة ًعربياً:
- يساهم في تفاقم انقسام المجتمعات العربية وتعميق العصبية المذهبية بين الشيعة واهل السنة.
- يُنتهك سيادة الدول التي ينشط فيها، ويثير مخاوف من تمدد نفوذ غير دولتي داخل هذه المجتمعات، ما ينعكس توتراً مع دول مثل السعودية والكويت والامارات والبحرين واليمن وسورية والاردن وفلسطين.
- ساهم بالحروب الاهلية العربية في سورية والعراق واليمن، وسهل قيام شبكات لصناعة الكابتاغون وتهريبه الى دول الخليج العربية.
دوليا يُصنَّف:
- كفاعل مسلح خارج إطار الدولة، ما يثير قضايا تتعلق بالإرهاب والعقوبات والشبكات المالية غير الشرعية والجريمة المنظمة.
- يربك السياسات الغربية في دعم الدولة اللبنانية ومواجهة نفوذ الحزب، ويجعل لبنان صندوق بريد لتبادل الرسائل الملتهبة في الصراعات المختلفة .
سادساً: الاستنتاجات الأساسية
- حزب الله منظومة هيمنة لا مجرد ميليشيا
- لا يمكن إصلاح الدولة اللبنانية واعادة بنائها، دون تفكيك هذه المنظومة
- سلاح حزب الله هو قمة جبل الجليد اما متن الجبل وقاعدته فهي منظومة الهيمنة بكل ابعادها.
- لا يمكن الرهان على نبيه بري كشريك في تفكيك منظومة سيطرة حزب الله، لان مبرر بقائه حيا سياسيا هو قوة حزب الله.
لا يمكن دمج حزب الله في النظام اللبناني كحزب سياسي عادي إن ظاهرة حزب الله لا تُفهم من سلاحه، بل من بنيته العميقة. وإن تفكيك هذه البنية لا يتم بقرار واحد أو أداة واحدة، بل عبر مسار طويل متعدد المستويات، يبدأ من داخل المجتمع الشيعي، ويمتد إلى الدولة اللبنانية، ويتكامل مع دعم عربي ودولي. والسؤال الحقيقي لم يعد:
كيف يتم نزع سلاح حزب الله؟ بل أصبح: كيف نعيد بناء الدولة اللبنانية من داخل مجتمعٍ خاضع لمنظومة موازية؟

