حارث سليمان يكتب لـ «جنوبية»: ثكنة في بيت القداسة: تغيير إقليمي أم حروب بلا نهاية

حارث سليمان
 إن إيران، بوصفها دولة مركزية في النظام الإقليمي، لا يمكن أن تنهار دون أن ينعكس ذلك على استقرار الحركة في مضيق هرمز Strait of Hormuz، وعلى أسواق الطاقة العالمية، وعلى أمن أوروبا، وعلى توازنات دول الخليج العربي. وهكذا، يتحول مشروع إضعاف الخصم إلى تهديد بنيوي للنظام الدولي والاقليمي ككل.

بين خطاب “الشرق الأوسط الجديد” ووقائع الحروب المتناسلة، يتكشف مشهد إقليمي معقد، تتداخل فيه المصالح الدولية مع الطموحات الإقليمية، بحيث يصبح من الصعب التمييز بين مشروع إعادة صياغة المنطقة وبين آلية مستدامة لإعادة إنتاج الصراع ذاته.

في هذا السياق، تكتسب بعض الشهادات من داخل المؤسسات الأميركية دلالة خاصة، لا بوصفها حقائق نهائية، بل كمؤشرات على طبيعة النقاش الدائر في قلب القرار الدولي.

فقد ورد في استجواب أجراه الإعلامي Tucker Carlson مع المسؤول السابق في مكافحة الإرهاب في الإدارة الأميركية John Kent، الذي استقال احتجاجاً على الحرب مع إيران، أن هذه الحرب لم تكن نتيجة حتمية لتطورات ميدانية بقدر ما كانت ثمرة دفع سياسي مقصود. وبحسب هذا الطرح، فإن إسرائيل لعبت دوراً أساسياً في خلق الظروف التي دفعت الولايات المتحدة إلى الانخراط، بل وقادت القرار نحو هذا المسار، بما يتجاوز الأهداف الأميركية المعلنة.

الأخطر في هذه الرواية لا يكمن فقط في توصيف من دفع نحو الحرب، بل في كيفية إعادة تعريف “الخط الأحمر” الأميركي، فبينما كان الخط الأصلي الذي تبناه Donald Trump يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهو هدف يترك هامشاً واسعاً للتفاوض، جرى، وفق هذا الطرح، تحويره إلى منع أي مستوى من التخصيب النووي. هذا التحول لم يكن تقنياً فحسب، بل سياسياً بامتياز، إذ أدى إلى تضييق مساحة التسوية، وتحويل التفاوض من خيار ممكن إلى مسار شبه مستحيل. بهذا المعنى، يصبح نقل الخط الأحمر أداة استراتيجية لنسف أي صفقة محتملة، ودفع الأمور نحو المواجه،. ولذلك فعشية اندلاع المعارك في ٢٨ شباط الماضي لم تكن الخيارات المطروحة امام ايران سوى الركوع والاستسلام.

 إن التفاوض مع إيران لم يكن مستحيلاً، بل كان، في لحظة معينة، خياراً واقعياً، خصوصاً في ظل مقاربة ترامب البراغماتية، غير أن القوى التي رأت في التسوية تهديداً لمصالحها، عملت على تقويضها، لأن الحرب، بالنسبة إليها، تحقق أهدافاً لا يمكن للتفاوض أن يوفرها.

وهنا يتضح التباين العميق بين الهدف الأميركي المعلن والهدف الإسرائيلي الفعلي. فالولايات المتحدة تتحدث عن تحييد تهديدات عسكرية ونووية وصاروخية، أي عن إدارة خطر محدد، أما إسرائيل، وفق هذه المقاربة، فتسعى إلى ما هو أبعد: إسقاط النظام الإيراني أو تفكيك تماسك الدولة، وهي لا تخفي رغبتها في تغيير النظام، لكنها، في الوقت ذاته، لا تمتلك تصوراً جدياً لمرحلة ما بعد السقوط. هذا الفراغ الاستراتيجي يفتح الباب أمام سيناريو الفوضى، الذي قد لا يُعد مشكلة بالنسبة لإسرائيل بقدر ما هو كارثة محتملة للآخرين.

إقرأ أيضا: منشآت «راس لفان» و«حيفا» النفطية تفتح حرباً «عالمية» نفطية؟

 إن إيران، بوصفها دولة مركزية في النظام الإقليمي، لا يمكن أن تنهار دون أن ينعكس ذلك على استقرار الحركة في مضيق هرمز Strait of Hormuz، وعلى أسواق الطاقة العالمية، وعلى أمن أوروبا، وعلى توازنات دول الخليج العربي. وهكذا، يتحول مشروع إضعاف الخصم إلى تهديد بنيوي للنظام الدولي والاقليمي ككل.

في هذا الإطار، تبدو الحرب، كما وُصفت في ذلك الاستجواب، “فخاً استراتيجياً ” لا يضعف إيران وحدها، بل يستنزف الولايات المتحدة نفسها، ويقوض فلسفة “أميركا أولاً” التي تبناها ترامب نفسه، وقامت على تجنب الحروب المفتوحة. فبدلاً من إعادة ترتيب الأولويات العالمية، تجد واشنطن نفسها منخرطة في صراع طويل، يخدم في جانب منه أجندات لا تتطابق بالضرورة مع مصالحها المباشرة.

لكن هذا البعد الدولي، على أهميته، لا يلغي السؤال الجوهري: هل نحن فعلاً أمام صياغة شرق أوسط جديد، أم أمام جولة جديدة من الحروب يتم فيها استنزاف موارد دول المنطقة وتبديدها؟ فالمشهد الميداني يشير بوضوح إلى تصاعد الإنفاق العسكري، وتجديد عقود شراء السلاح، واستحضار اساطيل وقى عسكرية جديدة الى المسرح الاقليمي، وتراكم المخزونات من الذخائر والصواريخ، في وقت تتراجع فيه أولويات التنمية. وهكذا، تتحول المنطقة إلى محرك اقتصادي غير مباشر لمجمع الصناعات الحربية في الدول الغربية.

قد يبدو، للوهلة الأولى، أن الحروب قادرة على فرض موازين قوى جديدة، وأن المنتصرين يستطيعون إعادة تشكيل النظام الإقليمي وفق إرادتهم، غير أن التجربة التاريخية تثبت أن هذا النوع من “الاستقرار القسري” لا يدوم. فاستتباب أي نظام إقليمي يتطلب عناصر اخرى غير القوة الغاشمة، كالعدالة والتوازن، واحترام حقائق الديموغرافيا والتاريخ والمصالح المتنوعة، لا فرض إملاءات فئوية.

وبناء على ما تقدم تبدو اغلبية دول كوكب الارض في جهة المتضررين من الحرب، الرافضين لاندلاعها، والمجبرين خلافا لاراداتهم على دفع اثمانها، فمن دول اوروبا قاطبة الى دول المنظومة العربية والاسلامية، الى شرق آسيا وصولا الى اليابان واوستراليا، تتصاعد الدعوات الى وقف القتال و الذهاب الى تسويات تخمد نار المواجهات وتداعياتها، وحدهم المتحاربون؛ اميركا واسرائيل وايران، خلافا لدول المعمورة يصعدون حملات القتال واطلاق الصواريخ والغارات المدمرة. فيما يجر لبنان مكرها الى حتفه، يقدم قربانا وذبيحة لصالح ايران وثارا لمرشدها.

ويبرز في هذا السياق، التناقض البنيوي في الطموح الإسرائيلي، حيث تسعى دولة تضم نحو سبعة ملايين يهودي إلى فرض معادلات سيطرة على فضاء عربي يتجاوز ثلاثمئة مليون إنسان، مرتبط بامتداد ثقافي وديني أوسع داخل عالم إسلامي يصل تعداده الى اكثر من مليار نسمة. هذا الخلل لا يمكن معالجته بالقوة وحدها، بل يتطلب إعادة تعريف العلاقة على أسس أكثر واقعية وتوازناً.

إقرأ أيضا: تقرير: محاولة إيرانية لضرب قاعدة دييغو غارسيا تفتح باباً جديداً في الحرب

غير أن المفارقة الأعمق تكمن في التشابه البنيوي بين إسرائيل وإيران. فإيران تمثل نموذج “دولة ثكنة” مغلفة بعباءة القداسة الدينية الشيعية، بينما تمثل إسرائيل نموذجاً متناظراً لدولة ثكنة تستند إلى سردية دينية يهودية. ورغم الفوارق الكبرى في التكنولوجيا والدعم الدولي والبنى الاقتصادية بين الدولتين؛ ايران وإسرائيل، فإن المنطق الحاكم في الحالتين واحد: عسكرة الدولة، وتقديس الصراع، وتوظيف الهوية الدينية كأداة تعبئة.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يستطيع عالم اليوم، القائم على ترابط اقتصادي معقد، وسيولة الرساميل والسلع والصناعات العابرة للحدود، أن يتحمل كلفة هذا السلوك الحربي المتطرف؟ وهل يمكن للعنف، حتى لو أُلبس لبوس القداسة، أن يبني سلاماً مستداماً؟

الجواب، كما تشير الوقائع، يبدو سلبياً. فالعنف لا ينتج إلا عنفاً، والحروب، مهما أعادت رسم الخرائط، لا تنجح في بناء استقرار دائم. بل إن ما نشهده اليوم هو تراكم لمقدمات صراعات جديدة، حيث تُترك القضايا الجوهرية من دون حلول، وتُدار التوازنات عبر القوة لا عبر التفاهم.

إن ما يجري في المنطقة لا يؤشر إلى ولادة شرق أوسط جديد بقدر ما يكشف عن إعادة إنتاج منظومة الصراع نفسها، ولكن بكلفة أعلى وأدوات أكثر تدميراً. وبين دفع خارجي نحو المواجهة، وتشابه بنيوي بين قوى إقليمية تعتمد منطق “دولة الثكنة”، تتآكل فرص الاستقرار والسلام الحقيقي. وعليه، فإن المسار الحالي لا يقود إلى الازدهار، بل يؤسس، بوضوح، لمزيد من المواجهات وحروب قادمة، قد تكون أكثر شمولاً وأشد خطراً على المنطقة والعالم.

السابق
تقرير: محاولة إيرانية لضرب قاعدة دييغو غارسيا تفتح باباً جديداً في الحرب
التالي
تحالف دولي واسع يدين إغلاق مضيق هرمز ويتوعد بضمان أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة