أرخى تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله لثلاثة أسابيع إضافية مناخًا من الانفراج النسبي على الساحة اللبنانية، غير أنّ هذا “الهدوء” بقي هشًّا ومقيّدًا بسقف زمني واضح، وسط استمرار الخروقات اليومية من الجانب الإسرائيلي وردود الحزب.
ويزداد هذا الواقع تعقيدًا مع الموقف الأميركي الذي عبّر عنه الرئيس دونالد ترامب، عبر منحه إسرائيل هامش “الدفاع عن النفس” من خلال ما وصفه بـ”عمليات جراحية دقيقة”، ما يفتح الباب أمام استمرار الاستهدافات ضمن إطار مضبوط، لكنه قابل للانفجار في أي لحظة.
عون: لا للتفاوض بالوكالة… والدبلوماسية خيار وحيد
في قلب هذا المشهد، رسم رئيس الجمهورية جوزاف عون ملامح الموقف اللبناني الرسمي، مؤكدًا رفض لبنان أن يكون ورقة تفاوض في صراعات الآخرين. وشدد على أن بيروت تفاوض باسمها دفاعًا عن سيادتها ومصالحها الوطنية، منخرطة في مسار دبلوماسي برعاية واشنطن وبدعم أوروبي وعربي.
وخلال مشاركته في اجتماع أوروبي في قبرص، شدد عون على أن الهدف هو التوصل إلى حل مستدام يوقف الاعتداءات ويؤدي إلى انسحاب إسرائيلي كامل خلف الحدود الدولية، بما يسمح ببسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
ولم يغفل عون عرض الكلفة الباهظة للاعتداءات الإسرائيلية، سواء على مستوى استهداف المدنيين والبنى التحتية، أو الضغط الناتج عن ملف النازحين السوريين، داعيًا إلى دعم دولي فعلي، وإطلاق مؤتمر لإعادة إعمار لبنان، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني باعتباره ركيزة الاستقرار.
حراك دولي مكثّف… وباريس على خط الدعم
شكّلت مشاركة عون مناسبة لسلسلة لقاءات مع قادة دوليين، أبرزهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أكد ضرورة تقديم دعم ملموس للبنان، معلنًا التوجّه لتنظيم مؤتمر دولي لدعمه.
كما التقى عون عددًا من القادة، بينهم رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، والرئيس السوري أحمد الشرع، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في إطار حشد الدعم السياسي لمسار التهدئة.
في موازاة ذلك، برز طرح أوروبي لتعزيز دور الجيش اللبناني، مع حديث عن إمكانية إطلاق مهمة جديدة بعد انتهاء دور “اليونيفيل”، بما يعزز الرقابة الأمنية في الجنوب.
واشنطن والرياض: دفع نحو تسوية شاملة
على خط موازٍ، تواصل الولايات المتحدة، بدعم من السعودية، الدفع نحو تسوية أوسع، تشمل وقف الحرب وفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، من بينها طرح لقاء محتمل بين عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض.
وتواكب الرياض هذا المسار عبر تحركات دبلوماسية واتصالات إقليمية، تشمل أطرافًا فاعلة مثل إيران، في محاولة لبلورة صيغة نهائية تنهي الحرب وتعيد ترتيب المشهد اللبناني، بما في ذلك ملف سلاح حزب الله.
انقسام داخلي: بري وسلام… ورعد يرفع السقف
داخليًا، عكست الحركة السياسية استمرار التباينات. فقد جمع لقاء بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث التطورات الميدانية والسياسية، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية.
في المقابل، رفع رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد سقف المواقف، رافضًا أي لقاء مباشر مع إسرائيل، ومعتبرًا أنه يفتقر إلى التوافق الوطني ويشكّل مخالفة دستورية، داعيًا السلطة إلى الانسحاب من مسار المفاوضات.
كما برز حراك سياسي داخلي، مع لقاء بين سمير جعجع وسامي الجميل، في مؤشر على إعادة تموضع القوى المعارضة في ظل التطورات.
الميدان يفرض إيقاعه… وإنذارات تتجاوز الخطوط
ميدانيًا، بقي الجنوب ساحة مفتوحة رغم الهدنة. فقد نفذ الجيش الإسرائيلي عمليات تفجير واسعة في بلدات حدودية، ترافقت مع قصف مدفعي وغارات جوية أدت إلى سقوط ضحايا.
وفي تطور لافت، وجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إنذارًا لسكان بلدة دير عامص، الواقعة خارج “الخط الأصفر”، مطالبًا بإخلائها، ما يشير إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية إلى عمق إضافي داخل الأراضي اللبنانية.
لبنان بين مهلة التهدئة واحتمالات الانفجار
في المحصلة، يقف لبنان أمام مفترق دقيق: مهلة زمنية محدودة تتيح اختبار المسار الدبلوماسي، مقابل تصعيد ميداني لا يتوقف، وانقسام داخلي حول الخيارات.
وبين رهان جوزاف عون على الدبلوماسية كخيار وحيد، وضغوط الخارج لتسوية شاملة، ورفض قوى أساسية لأي مسار تفاوضي مباشر، تبقى الأسابيع الثلاثة المقبلة حاسمة: إما تثبيت هدنة تتحول إلى حل مستدام، أو انزلاق جديد نحو مواجهة أوسع قد تعيد خلط الأوراق بالكامل.

