شكّل جنوب لبنان، عبر تاريخ الصراع مع إسرائيل، منطقة جيوستراتيجية نظرًا لموقعه بين البحر المتوسط وشمال إسرائيل والحدود السورية، حيث كان يشكّل، في السابق، قبل احتلال فلسطين، منطقة تواصل تجاري مهمة. بعد إعلان دولة إسرائيل، حصلت حرب النكبة عام 1948، وتم توقيع اتفاقية الهدنة عام 1949 في رأس الناقورة، التي رسّمت الحدود وأوقفت إطلاق النار بين البلدين، وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 62.
في العام 1967، احتلت إسرائيل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ذات الموقع الاستراتيجي، من خلال عمليات قضم متتالية عبر عدة سنوات، كان لبنان يتوجه خلالها إلى الأمم المتحدة للمطالبة بتحريرها وإدراجها ضمن قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بوقف الحرب، ومنها القرار 236.
العمل الفدائي واتفاقية القاهرة
بعدها، كان السماح للعمل الفدائي ضد إسرائيل من منطقة العرقوب هو البند الأساسي في اتفاقية القاهرة عام 1969، بعد الاشتباكات التي حصلت بين الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينية المسلحة في جنوب لبنان.
التزم لبنان الحياد في حرب العام 1973، لكن تم استخدام الجنوب كقاعدة لانطلاق العمليات العسكرية الفلسطينية لدعم سوريا ومصر في الحرب، وتعرضت العديد من القرى للاعتداءات ونزوح الأهالي.
بعد دخول الجيش السوري إلى لبنان، تحت عنوان قوات الردع العربية، جرى تفاهم مع إسرائيل بوساطة من هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي في حينه، لعدم تجاوز هذه القوات الخط الأحمر الممتد من مصب نهر الأولي على الساحل إلى جزين وصولًا إلى بلدة مشغرة في البقاع الغربي، ليبقى الجنوب خارج السيطرة السورية، وحماية لحدود إسرائيل الشمالية.
عملية الليطاني والقرارات الدولية
بعد عملية الليطاني عام 1978، التي قامت بها إسرائيل لإبعاد منظمة التحرير عن حدودها، كان الجنوب موضع مفاوضات بينه وبين الأمم المتحدة وإسرائيل وبعض الدول العربية، لترتيب السيطرة عليه ومسكه أمنيًا، حيث صدر القرار 425 عن مجلس الأمن، الذي دعا إلى الانسحاب الفوري للجيش الإسرائيلي وانتشار قوات اليونيفيل.
بقيت إسرائيل محتفظة بشريط حدودي بعد اجتياحها للبنان عام 1982، الذي وصلت به إلى العاصمة بيروت، محاولة فرض اتفاق 17 أيار، مستخدمة قسمًا من اللبنانيين لمساعدتها في احتلال هذه المنطقة وللتصدي لعمليات المقاومة التي كانت ناشطة لتحرير الأرض وزرع الفتنة بين الشعب، ورافضة للانسحاب وتطبيق القرارات الدولية.
بعدها، شكّل بند منع الهجمات على المدنيين، ومنع استخدام القرى المدنية كمراكز لشن الهجمات العسكرية ضدها، المحور الأساس في المفاوضات لوقف إطلاق النار في عملية عناقيد الغضب التي شنها الجيش الإسرائيلي على جنوب لبنان عام 1996.
بعد عملية الليطاني عام 1978، التي قامت بها إسرائيل لإبعاد منظمة التحرير عن حدودها، كان الجنوب موضع مفاوضات بينه وبين الأمم المتحدة وإسرائيل وبعض الدول العربية، لترتيب السيطرة عليه ومسكه أمنيًا
انسحاب 2000 وبقاء النقاط العالقة
انسحبت إسرائيل في العام 2000 من لبنان، مع استمرارها باحتلال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وجزء من الغجر، حيث استمر هذا الموضوع محل نقاش مع المجتمع الدولي، الذي طالب بانتهاء المقاومة، وربط قضية المزارع بترسيم الحدود مع سوريا.
في العام 2006، عاد الجنوب مجددًا ليكون محل مفاوضات دولية بعد عملية أسر جنديين إسرائيليين لمبادلتهم بالأسرى اللبنانيين، مما أدى إلى صدور القرار 1701، الذي عزز تواجد القوات الدولية والجيش اللبناني ونزع أي سلاح غير شرعي في قطاع جنوب الليطاني.
لاحقًا، شكّلت عملية مساندة غزة عام 2023، والحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024، سببًا لقرار جديد من مجلس الأمن يتعلق بكيفية تطبيق القرار 1701 وتوقف الأعمال العدائية، التي لم تلتزم بها إسرائيل. ثم اندلعت الحرب مجددًا في الثاني من آذار هذا العام، بسبب اغتيال المرشد الأعلى في إيران ومساندتها في حربها مع أميركا وإسرائيل، حيث دخل لبنان مجددًا مسارًا تفاوضيًا مباشرًا مع إسرائيل، وسط عدم موافقة بعض الجهات اللبنانية على ذلك.
الجنوب ورقة قوة تحتاج إلى قرار سيادي
يُستنتج من هذا المسار الطويل للمفاوضات التي كانت تدور حول الجنوب اللبناني أهميته في الصراع الإقليمي، فمن يفرض سيطرته عليه ويمسك بالأرض أمنيًا يمتلك ورقة قوية في أي مفاوضات على المستوى الدولي والإقليمي والوطني. والملفت في الأمر أنه في كل مرة يُعقد فيها أي اتفاق، تبقى هناك جوانب ومفاهيم غير محددة بدقة تفسرها الأطراف، كلٌّ على طريقته، ما يسمح لها بالتملص من الالتزام به، فلا بد من تعريف المصطلحات والمفاهيم بين الأطراف لتلافي تكرار جولات الحروب في المستقبل.
كما من الواجب أن تدرك الدولة اللبنانية أهمية الإمساك بورقة الجنوب بقوة، بواسطة قواها الشرعية، والعمل على إقفال هذا الباب الذي يتسبب باهتزاز الأمن في لبنان بأكمله.

