إن في الصدر لشجى، وفي الحلق لغصّةً ما بعدها غصّة، على حالنا وحال التشيّع الذي أُريد له أن يكون منارة هدى، فإذا به يُستدرج إلى مسالك لم يألفها تاريخه، ولا أقرّها أئمته.
لقد برزت فينا فئةٌ لبست عباءة الولاية، ثم ما لبثت أن جعلتها سيفًا مسلطًا على رقاب العلماء والمخلصين من الموالين. فإن أحسنّا الظن قلنا: إنما اندفعت بدافع الحماسة والغيرة، غير أن الحماسة إذا لم تُضبط بميزان الحكمة انقلبت تهوّرًا، وإذا لم تُقَيَّد بفقه الواقع صارت وبالًا على أهلها.
فمنذ البدايات، رُفعت شعارات كبرى في مواجهة قوى الاستكبار، وأُطلقت وعود بإزالة دولٍ وإقامة أخرى، وكأن ميزان القدرة مختلّ لا يُرى، أو كأن السنن الإلهية في التدافع والتدرّج قد عُطّلت. ثم أُسّس نهجٌ يقوم – في التطبيق لا في الشعار – على أن الغاية تبرّر الوسيلة، فهُوِّن من دم الأخ، وشُكِّك في كل مخالف، بل وأُغلِق باب الاجتهاد عمليًا حيث لا يوافق الهوى، ونُصِّب بعض الناس أوصياء على الأمة بلا بيّنةٍ من علمٍ راسخٍ أو إجماعٍ معتبر.
نهج أهل البيت: الحجة قبل السيف
وهنا موضع الإشكال: فإن مذهب أهل البيت عليهم السلام لم يُبنَ يومًا على إلغاء العقول، ولا على مصادرة الرأي، ولا على تسفيه المخالف، بل قام على الحجة والبرهان، وعلى حفظ النفوس، وعلى درء المفاسد قبل جلب المصالح.
ألم يكن نهج أئمتنا، في أكثر عصورهم، هو الصبر والتقية وحفظ بيضة الإسلام؟
ألم يعايشوا الظلم، وتُصادر حقوقهم، وتُحرق دورهم، وتُسفك دماؤهم، ومع ذلك كانوا يوصون شيعتهم بالكفّ، والتثبّت، ومراعاة المآلات؟
هذا عليه السلام، مع علمه بغدر القوم، صبر سنين بعد صلح أخيه عليه السلام حقنًا للدماء، ثم لما أُحيط به يوم عاشوراء، لم يبدأ بقتال، بل طلب أن يُخلّى سبيله، أو يُترك ليغادر، أو يعود، حرصًا على دفع الفتنة ما أمكن.
مسار التصعيد المفتوح وسؤال القدرة
فأين هذا النهج من مسارٍ يقوم على الاستفزاز الدائم، والتحشيد العسكري، وفتح الجبهات بلا قدرةٍ حقيقية على الحسم؟
لو كان هذا هو خطّ الأئمة، لرأينا الروايات طافحةً به، ولرأينا سيرتهم قائمة عليه، ولكن الواقع خلاف ذلك.
لقد حُمّلنا قضايا عجزت عنها أمم بأسرها، ثم خُدّرت العقول بخطاب النصر الدائم، حتى إذا وقعت الواقعة، كانت النتائج من دمائنا وأرزاقنا وديارنا. ثم يُعاد تعريف “النصر” تعريفًا يلتفّ على الحقائق، وكأن تغيير الألفاظ يُغيّر الوقائع.
وما كان الدخول في مواجهاتٍ غير متكافئة، تحت عناوين عاطفية، إلا إعطاء الذريعة للعدو ليبطش، ثم نعود فنشكو بطشه!
أليس من فقه أهل البيت أن يُتجنّب فتح بابٍ لا يُحسن إغلاقه؟
وأن يكون الدفاع حين يُفرض، لا أن يُستجلب استجلابًا؟
تسييس الدين وإقصاء المخالف
ثم إن الطامة الكبرى ليست في السياسة وحدها، بل في تحويل ذلك إلى مسارٍ دينيٍّ مُلزِم، وكأن مخالفة هذا النهج خروجٌ عن التشيّع!
فمتى صار الانتماء إلى مدرسة أهل البيت مرهونًا باتباع قراءةٍ سياسيةٍ بعينها؟
وأين موقع العلماء الراسخين، الذين هم أعمدة هذا المذهب، من هذا الإقصاء؟
ثم انظر إلى تناقضٍ صارخٍ لا يكاد يُدفع:
نحن اليوم في هدنةٍ مع العدو، قبلنا بها – كما يُقال – لفسح المجال لمسارات تفاوضٍ أكبر، وفي الوقت نفسه نُهاجم من يدعو إلى الحوار أو يمارسه، ولو كان في موقع المسؤولية، بحجة أنه “يحاور القاتل”!
فكيف استُبيح ما حُرِّم علينا؟ وكيف صار الفعل الواحد ممدوحًا من جهةٍ ومذمومًا من جهةٍ أخرى؟
هشاشة الواقع تحت وقع الهدنة
بل الأدهى من ذلك، أن هذه الهدنة نفسها كشفت هشاشة الخطاب: إذ نشهد خلالها كيف تُستباح القرى، وتُدمّر البيوت، وتُهتَك الأرزاق، من غير قدرةٍ على الردع.
فإن كنتم في موقع الغلبة كما يُقال، فلماذا تُقبل هدنةٌ لا تحفظ الأنفس ولا الأموال ولا الأعراض؟
أليس القوي هو من يفرض شروطه، وأولها صيانة الناس لا تعريضهم للمزيد من الخطر؟
ثم يُقابَل الألمُ بالسخرية: “سنعيد الإعمار”!
وأيُّ إعمارٍ يُعيد ذاكرة بيتٍ هُدم؟
وأيُّ بناءٍ يُرجع شهيدًا إلى أهله؟
ومن يُعيد عينًا فُقدت، أو طرفًا بُتر، أو قلبًا انكسر؟
ازدواجية المعايير في التفاوض
ولماذا حين تُفاوض ايران تُستقبل المفاوضات بالتهليل والتبريك، وحين يدعو غيرها إلى الحوار يُتّهم بالعمالة والخيانة؟
أهي معاييرُ مزدوجة، أم فقهٌ يُفصَّل على المقاس؟
سنواتٌ طويلة من التفاوض تُعدّ “حكمةً وبعد نظر”، بينما مجرد الدعوة إلى تقليل الخسائر عند غيرهم تُعدّ “سقوطًا وخيانة”!
غياب مفاهيم الحكمة والتدرّج
ثم لماذا الإصرار على أن نكون نحن البادئين في كل مرة؟
ولماذا غابت مفاهيم كالتقية، والتدرّج، وموازنة القوة، من الخطاب، وكأنها لم تكن يومًا من صميم تراثنا؟
أليس في سيرة الأئمة ما يكفي لإثبات أن الحكمة ليست في رفع السيف دائمًا، بل في معرفة متى يُرفع، ومتى يُغمد؟
أزمة الخطاب وإقصاء النقد
إن الخطاب الذي لا يُنتج إلا التعبئة، ولا يسمح بالمراجعة، ولا يرى في المخالف إلا عدوًا، إنما هو خطابٌ يصنع أتباعًا لا أمة، ويُغلق العقول بدل أن يفتحها.
ثم إن المؤلم أكثر، أن من يقرأ هذا الكلام لا يتعامل معه كحجةٍ تُناقش، بل كصاحبه يُهاجم:
يُسخر منه، ويُخوَّن، ويُتّهم بالجهل أو السذاجة، وربما بما هو أبعد من ذلك.
وهنا تبلغ الأزمة ذروتها: حين يُستبدل النقاش بالتخوين، والحجة بالتشهير.
والحق يُقال: إن حفظ الأنفس، وصيانة الكرامات، وتقدير المآلات، ليست ضعفًا ولا هزيمة، بل هي عين الحكمة التي سار عليها أئمتنا.
فليس المطلوب أن نُطهّر العالم من الظلم، وإنما المطلوب أن لا نُهلك أنفسنا بقراراتٍ لا تزن نتائجها بميزان العقل والشرع.
إن مراجعة المسار ليست خيانة، بل شجاعة.
وإعمال العقل ليس خروجًا عن الولاء، بل هو من صميمه.
ومن ظنّ أن العزة في العناد، فقد خلط بين الكِبر والثبات.
بئس زمنٌ يُخالَف فيه الدين باسم الدين، وتُستباح فيه دماء المؤمنين بعباءة الولاية.
لقد خرج السهم من قوس التقية، ولكن – ويا للأسف – لا إلى صدور الأعداء، بل إلى صدور المؤمنين.
فالعجل العجل يا مولاي، يا صاحب الزمان،
لقد اتسع الرقع على الراقع.

