هدنة على حافة الوهم.. قماطي يطلب من الجنوب أن يعيش بنصف قلب ونصف حقيبة

ليست المأساة في لبنان أنّ الحرب تقع، بل أنّها لا تنتهي حين يُعلن انتهاؤها، فهنا، في هذا الركن المتعب من الجغرافيا، لا تُقاس الهدن بمدى صمودها بل بمدى كذبها.
وما جرى في اليومين الماضيين كان اقرب لتكثيف فجّ لحقيقة يعرفها اللبنانيون جيداً ويتجاهلونها قسراً وهي ان القرار ليس هنا.

لا في بيروت، ولا في الجنوب، ولا حتى في تلك القرى التي عادت إليها الحياة لساعات قبل أن تعود وتغادرها على عجل، كضيفٍ خائف من طرق الباب ليلاً.
حين خرج محمود قماطي ليقول للناس ما معناه(لا تستقروا) لم يكن يقدّم نصيحة، بل كان يوقّع بياناً غير معلن مفاده ان (الهدنة ليست لنا) .

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي، لا ذاك الذي يُطرح في نشرات الأخبار، بل ذاك الذي يهمس به الجنوبي وهو يغلق باب منزله للمرة الثالثة خلال شهر،(إذا كانت الهدنة لا تعنينا، فلمن هي إذاً؟ ولأي زمن كُتبت؟ وهل نحن طرف فيها أم مجرد تفصيل مؤجل على هامشها؟

المفارقة التي لا تحتاج إلى كثير من الذكاء لفهمها، بل إلى قليل من الجرأة للاعتراف بها، أنّ الجنوب عاد… لكنه لم يعد،عاد جسداً، حقول فُتحت، أبواب أُزيل عنها الغبار، وأطفالٌ ركضوا بين البيوت كأنهم يختبرون ذاكرة المكان،لكن الروح بقيت معلّقة، مربوطة بتاريخ الأربعاء القادم، يوم انتهاء هدنة لا يملك لبنان مفاتيحها أصلاً.
هنا يصبح الزمن السياسي أهم من الزمن الإنساني، وتتحوّل حياة الناس إلى (انتظار مشروط) .
هل كان تصريح قماطي زلة لسان؟ أم تلميحاً محسوباً؟ أم اعترافاً مبطناً بأن القرار مؤجل إلى ما ستقوله طهران وواشنطن؟

المفارقة التي لا تحتاج إلى كثير من الذكاء لفهمها، بل إلى قليل من الجرأة للاعتراف بها، أنّ الجنوب عاد… لكنه لم يعد

الجواب، لمن يريد أن يراه واضح حد الفضيحة، فمنذ أن اندلعت المواجهة الكبرى، ودخل لبنان الحرب عبر (رسائل) صاروخية، لم يعد ممكناً فصل الجبهة الجنوبية عن المزاج الإقليمي،وعندما تفاوضت إيران، لم تنتظر رأي بيروت،وعندما رُسمت الهدنة، لم يُستشر اللبنانيون إلا بقدر ما يُستشار المسرح قبل رفع الستارة.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن (التزام)أو (عدم التزام) بالهدنة نوعاً من الترف اللغوي،لأن من لا يملك قرار الحرب، لا يُسأل كثيراً عن قرار السلم.

فالناس التي نزحت بالأمس، لم تفعل ذلك لأنّها تحب النزوح، ولا لأنّها لا تثق بالمقاومة أو بالدولة، بل لأنها تعبت والتعب، في السياسة يعتبر عامل حاسم

ولأن من يربط مصيره بمحور، لا يستطيع أن يتفاجأ عندما يُستدعى هذا المصير إلى طاولة التفاوض،ولذلك، لم يكن غريباً أن تتطاير اتهامات التخوين في الداخل، وأن يُزجّ بأسماء الرئيسين نواف سلام وميشال عون في بازار الولاءات، وكأن المشكلة في الأشخاص لا في أصل المعادلة.

لكن السؤال الأكثر قسوة يبقى: هل لا يزال الجنوبي قادراً على الاحتمال؟ هنا لا مكان للشعارات ، فالناس التي نزحت بالأمس، لم تفعل ذلك لأنّها تحب النزوح، ولا لأنّها لا تثق بالمقاومة أو بالدولة، بل لأنها تعبت والتعب، في السياسة يعتبر عامل حاسم، وإن تأخر ظهوره.

مجتمع يُطلب منه أن يعيش دائماً على حافة الحرب، أن يزرع وهو يعرف أنّ الحصاد قد يُحرق، وأن يبني وهو يحتفظ بخطة هروب، هو مجتمع يُستنزف ببطء، حتى لو لم يُهزم.

الجميع يراهن على الوقت، وكأن الوقت حليف لكن الزمن في لبنان ليس محايداً

قد يقول قائل:ك،هذه ضريبة الموقع،وقد يرد آخر هذه كلفة الخيارات،لكن بين الضريبة والكلفة، هناك إنسان وهذا الإنسان، تحديداً، لم يعد معنياً كثيراً بالتحليلات الكبرى،هو يريد فقط جواباً بسيطاً، يكاد يكون ساذجاً في بساطته(هل أستطيع أن أبقى؟
حتى الآن، لا أحد يملك الشجاعة ليجيبه،لا محمود قماطي، ولا خصومه، ولا أولئك الذين ينتظرون الأربعاء كما لو أنه يوم القيامة السياسي.

الجميع يراهن على الوقت، وكأن الوقت حليف لكن الزمن في لبنان ليس محايداً ،هو إما أن يُستثمر أو يُهدر، وغالباً ما يُهدر.
وهكذا، يبقى الجنوب معلقاً بين هدنتين،واحدة مكتوبة بالحبر بين دول وأخرى مكتوبة بالخوف في قلوب الناس. وبينهما، وطنٌ لم يحسم بعد إن كان يريد أن يكون ساحة أم دولة…..

السابق
«استسلام نووي» إيراني أو No Deal X في إسلام أبادII؟
التالي
واشنطن تضغط لإلغاء قانون 1955 في لبنان الذي يجرّم التعامل مع إسرائيل