في توقيت بالغ الحساسية، وفي ذروة الحرب الاسرائيلية على لبنان، وما خلفه انفراد حزب الله بقرار الحرب والسلم من انقسام، جاء خطاب أمين عام “الحزب» نعيم قاسم أمس الاثنين، ليؤكد أن كل ما يجري في سوريا شأن داخلي لا يعني الحزب، محذرًا من محاولات بث “السموم” وإشعال فتنة سنية–شيعية. هذا الموقف، الذي بدا في ظاهره دعوة واضحة إلى التهدئة، يعكس في مضمونه إدراكًا متزايدًا لدى الحزب بحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق نحو مواجهة مباشرة مع الواقع السوري الجديد.
في خلفية هذا الخطاب، يبرز تحول ملحوظ في سلوك الحزب، من موقع المبادرة الذي طبع تدخله في الحرب السورية، إلى موقع أكثر حذرًا، تحكمه حسابات داخلية وإقليمية معقدة. فالحزب، الذي كان لاعبًا أساسيًا في الميدان السوري، يبدو اليوم أقل استعدادًا لخوض مواجهة جديدة، خصوصًا في ظل تبدل موازين القوى وتعدد الضغوط.
خشية غير معلنة من المواجهة
ورغم النفي الرسمي لأي علاقة مباشرة بما يجري في سوريا، فإن الخطاب يحمل في طياته مؤشرات على خشية غير معلنة من احتمالات التصعيد. فالدعوة إلى تجنب الفتنة، والتشديد على وحدة الموقف الإسلامي، لا تنفصل عن محاولة احتواء توترات محتملة قد تنعكس على الداخل اللبناني، وخصوصًا في المناطق الحساسة كالبقاع.
كما أن هذا الموقف يعكس إدراكًا بأن أي مواجهة مع سوريا ستكون مكلفة وغير مضمونة النتائج، ما يدفع الحزب إلى اعتماد خطاب مزدوج: تطمين بيئته الحاضنة من جهة، وترك هامش مفتوح للتهدئة مع دمشق من جهة أخرى.
الحزب، الذي كان لاعبًا أساسيًا في الميدان السوري، يبدو اليوم أقل استعدادًا لخوض مواجهة جديدة، خصوصًا في ظل تبدل موازين القوى وتعدد الضغوط.
البيئة الشيعية: قلق متصاعد وقراءات متباينة
في هذا السياق، يندرج القلق المتصاعد داخل البيئة الشيعية، ولا سيما في بعلبك ـ الهرمل، حيث تتداخل المخاوف الأمنية مع إرث الحرب السورية. غير أن هذا القلق لا يتخذ شكلًا واحدًا، بل يتوزع على مستويات مختلفة، تعكس تعدد القراءات داخل هذه البيئة.
الباحث في مؤسسة “أمم للتوثيق والأبحاث” نجيب العطار يقدّم صورة مركبة لهذا الواقع، مشددًا على أن الشيعة ليسوا كتلة متجانسة، وأن فهم موقفهم من احتمال التدخل السوري يتطلب تفكيك السرديات المتداولة بدل اختزالها.
سرديات الخوف والتعبئة الداخلية
بحسب العطار، فإن جمهور “حزب الله” هو الأكثر قابلية لتبنّي فرضية التدخل السوري، وهو ما يظهر بوضوح في الخطاب المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يجري الحديث عن حشود سورية على الحدود، مع استدعاء رموز تاريخية ومذهبية تُصوّر المشهد كأنه امتداد لصراعات قديمة.
هذه السرديات، التي تتجاوز البعد الأمني، تحولت إلى أداة تعبئة داخلية، تُستخدم لإعادة شد العصب داخل البيئة الشيعية، وربط الاستحقاقات المحلية، حتى البلدية منها، بسياق صراع أوسع يتجاوز الحدود اللبنانية.
إرث الحرب السورية وهاجس “الانتقام”
يربط العطار هذا القلق أيضًا بإرث مشاركة “حزب الله” في الحرب السورية، والتي خلقت شعورًا متراكمًا لدى جزء من بيئته بأن هناك “أثمانًا مؤجلة” قد تظهر في لحظة ما. هذا الإحساس لا يستند فقط إلى معطيات ميدانية، بل إلى شعور داخلي بوجود تداعيات لم تنتهِ بعد.
في المقابل، تبرز قراءات أخرى أقل قلقًا، فهناك من يرى أن الحزب لا يزال يمتلك قدرة ردع كافية، فيما يعتقد آخرون أن النظام السوري الجديد ليس في وارد التورط في لبنان، بل يسعى إلى تثبيت استقراره الداخلي.
يربط العطار القلق من التدخل السوري بإرث مشاركة “حزب الله” في الحرب السورية، والتي خلقت شعورًا متراكمًا لدى جزء من بيئته بأن هناك “أثمانًا مؤجلة”
صمام الأمان الاجتماعي تحت الاختبار
ورغم هذا التباين، تبقى العلاقات الاجتماعية بين السنة والشيعة في البقاع عامل توازن أساسي، تقوم على روابط عائلية واقتصادية عميقة. إلا أن هذه الحصانة تبقى هشّة، وقد تتعرض لاختبار جدّي في حال حصول أي تصعيد ميداني، ما يفتح الباب أمام احتمالات انزلاق خطيرة.
في المحصلة، يعكس خطاب التهدئة الذي أطلقه حزب الله محاولة واضحة لتفادي مواجهة غير محسوبة مع سوريا، في ظل بيئة داخلية قلقة وتحولات إقليمية متسارعة. وبين الخوف الوجودي وضرورات السياسة، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، تحكمها توازنات دقيقة لم تستقر بعد.

