في كل مرة يخوض فيها “حزب الله” مغامرة تُدخل لبنان عنق الزجاجة، يبرز السؤال ويشتد النقاش حول ما إذا كان “حزب الله” هو حزب لبناني أم إيراني. الغريب أن هذا السؤال والنقاش لا يزال يُطرح، بالرغم من أن مسار الأحداث منذ نشأة هذا الحزب في ثمانينيات القرن الماضي حتى اليوم، وبالأخص ممارساته، لا تترك مجالاً للشك بأنه فرع من فروع الحرس الثوري الإيراني في لبنان.
وبالتالي فإن قراره، وباعتراف كبار قادته في عدد من المناسبات، كان وسيبقى قراراً إيرانياً في المقام الأول، بغض النظر عن خطابه السياسي، بالرغم من إعطائه سابقاً بعضاً من “هامش للتحرك” في القضايا الداخلية اللبنانية وحتى الإقليمية، وذلك نتيجة ما كان يتمتع به أمينه العام الراحل السيد حسن نصر الله من كاريزما وشعبية طاغية، وثقة من قِبَل قيادة الجمهورية الإسلامية في إيران بمدى فهمه واستيعابه لأهداف خط “ولاية الفقيه”، وإخلاصه وصدقه في العمل لتحقيق هذه الأهداف.
بين الإنكار والواقع: كيف يُصاغ النقاش؟
هذا النقاش الذي يتجدَّد مع كل مغامرة جديدة هو نتاج إنكار ومكابرة لدى البعض في فهم وتحليل دور حزب الله في لبنان والمنطقة، خاصة مع نجاح الحزب في دمج مفهوم المقاومة بكل ما تُمثِّله في الوجدان الشعبي العربي، وجعله جزءاً لا يتجزأ من المشروع الإيراني.
بحيث بات يُنظر إلى كل معارض لهذا المشروع على أنه معارض للمقاومة بمعناها المطلق، وهذا غير صحيح بالتأكيد، بل يُعتبَر شكلاً من أشكال الإرهاب الفكري.
البداية: من البقاع إلى التأسيس
من المعروف أن نواة حزب الله بدأت بالتكوُّن في العام 1982، مع وصول المئات من أفراد الحرس الثوري الإيراني إلى منطقة البقاع، إبان الغزو الصهيوني للبنان، بذريعة المساعدة في مواجهة هذا الغزو، بتسهيل من نظام حافظ الأسد، الذي كان يومها بحاجة إلى حلفاء لمواجهة تداعيات هذا الغزو ونتائجه.
آنذاك، كان نظام آية الله الخميني في إيران، الذي كان من بين أهم أهدافه تصدير الثورة إلى دول الجوار العربي، قد دخل عامه الرابع، وكان غارقاً في حرب مع العراق نتيجة هذه السياسات. وكان هو الآخر بأمسّ الحاجة للتمدد في المنطقة، خاصة في الدول التي تضم مواطنين شيعة، لمحاولة زرع أذرع موالية له تعينه على تنفيذ مشروعه “الثوري”.
فالتقت حاجة النظام السوري مع الحاجة الإيرانية، ليتكوَّن بداية حلف سياسي وعسكري إقليمي، خاصة وأن النظام السوري كان يقف في صف النظام الإيراني في وجه “شقيقه اللدود” حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان يحكم العراق يومها.
لبنان الأرض الخصبة
ولأن “الزراعة” بحاجة إلى أرض خصبة لينمو فيها الزرع، فلم يكن هناك أفضل من لبنان الغارق في حرب أهلية منذ سنوات، ويتعرض لغزو صهيوني أدى بعدها إلى احتلال، ما منح إيران ونظام الأسد ونواة حزب الله الذريعة الملائمة للعمل تحت راية مقاومة الاحتلال الصهيوني.
في وقت كان قد انطلقت فيه جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية بمبادرة يومها من كل من الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، وحليفه أمين عام منظمة العمل الشيوعي محسن إبراهيم، في 16 أيلول من العام 1982، وهما كانا من أنصار وحلفاء منظمة التحرير الفلسطينية التي خرجت يومها، كما هو معروف، من لبنان نتيجة الغزو.
مع ما كان يشكِّله ذلك من قلق وعدم ارتياح لدى قيادة النظام السوري، نظراً للعلاقة غير المستقرة مع المنظمة وحلفائها اللبنانيين، وحالة فقدان الكيمياء الشخصية والثقة بين الرئيس حافظ الأسد ورئيسها ياسر عرفات، نتيجة الصراع على الإمساك بالقرار الفلسطيني المستقل الذي كان عرفات حريصاً عليه أشد الحرص.
نواة حزب الله بدأت بالتكوُّن في العام 1982، مع وصول المئات من أفراد الحرس الثوري الإيراني إلى منطقة البقاع، إبان الغزو الصهيوني للبنان
بيان التأسيس: هوية واضحة ومعلنة
في هذه الأجواء، أعلن حزب الله عن نفسه في بيان التأسيس في 16 شباط 1985، محدداً أهدافه “بطرد الأميركيين والفرنسيين وحلفائهم بالتأكيد من لبنان، وتقديم الكتائب للعدالة للجرائم التي ارتكبوها ضد المسلمين والمسيحيين، والسماح لجميع أبناء شعبنا باختيار شكل الحكومة التي يريدونها، في حين يدعوهم إلى خيار الحكومة الإسلامية”.
كما أكَّد على أن الحزب “ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتمثَّل في ولاية الفقيه، وتتجسد في آية الله روح الله الموسوي الخميني، مفجِّر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة”.
المشروع العقائدي: بين الدولة الإسلامية والواقع اللبناني
هكذا إذن انطلق حزب الله ببيان واضح وصريح عن هويته الفكرية والسياسية، فضلاً عن تصريحات قادته في عدة مناسبات، ومنها ما قاله السيد حسن نصر الله في أحد خطاباته بأن “مشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره، كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع دولة إسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى، التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق، الولي الفقيه الإمام الخميني”.
بالمقابل، كان الحزب يتعامل ببراغماتية، بحيث يُميِّز بين الفكر والبرنامج السياسي. فالفكرة عنده لا تسقط إذا كان الواقع السياسي غير مؤاتٍ لتطبيقها. وهنا يقول السيد نصر الله: “نحن لا نطرح فكرة الدولة الإسلامية في لبنان على طريقة طالبان في أفغانستان، ففكرة الدولة الإسلامية في لبنان حاضرة على مستوى الفكر السياسي، أما على مستوى البرنامج فإن خصوصيات الواقع اللبناني لا تساعد على تحقيق هذه الفكرة، فالدولة الإسلامية المنشودة ينبغي أن تكون نابعة من إرادة شعبية عارمة، ونحن لا نستطيع إقامتها الآن لحاجتها إلى حماية”.
وهنا ربما يبرز التكتيك السياسي الذي اتَّبعه الحزب لاحقاً، بمحاولته ونجاحه إلى حد كبير في السيطرة على مفاصل الدولة الأساسية، ما دام هدف إقامة الجمهورية الإسلامية غير متاح.
الحزب “ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتمثَّل في ولاية الفقيه، وتتجسد في آية الله روح الله الموسوي الخميني، مفجِّر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة”.
البيئة الحاضنة: بين الدين والمقاومة
وهكذا نرى بأن حزب الله كان واضحاً في طروحاته وخياراته الاستراتيجية التي لم تتبدَّل مع الوقت، بغض النظر عن التكتيكات التي اتَّبعها للوصول إلى ما هو عليه اليوم، بعد أن كان انطلق رسمياً في العام 1985، في وقت حسّاس جداً.
بحيث كانت فيه الأوضاع في لبنان قد عادت تماماً إلى ما كانت عليه قبل الغزو الصهيوني للبنان، من انقسام داخلي، باستثناء مغادرة منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك بعد إسقاط اتفاق 17 أيار مع إسرائيل، وانسحاب قواتها من بيروت، وانكفائها إلى ما بعد صيدا، وانهيار السلطة اللبنانية الجديدة نتيجة حرب الجبل والضاحية، ومن ثم “انتفاضة 6 شباط” التي أعادت خلط الأوراق.
ما أفسح في المجال لحزب الله أن يتحرك ضمن بيئة آمنة نسبياً له ومؤاتية، خاصة وأنه استند إلى ركيزتين قويتين تتمثلان: أولاً في قوة الشعور الديني لدى الطائفة الشيعية، الذي كان قد تعزَّز مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وقبلها الإحساس بالمظلومية التي خلَّفها اختفاء الإمام موسى الصدر أثناء زيارته ليبيا.
وثانياً، قوة الإيمان بفكرة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وتحرير الأرض، ما جعله يقطع أكثر من نصف الطريق إلى قلوب وعقول العامة من الناس، خاصة مع اقتصار السيطرة على الشارع الإسلامي على أنصار ومؤيدي النظام السوري المتحالف مع نظام الملالي في طهران.

