في مقابلة خاصة لموقع “جنوبية”، يقدّم المبعوث الأميركي الأسبق إلى الشرق الأوسط” دايفيد شنكر” رواية متكاملة للمشهد اللبناني، لا تكتفي بتوصيف دور حزب الله، بل تربط بين سلوكه وبنية الصراع الإقليمي، وتضع الدولة اللبنانية أمام سلسلة من الأسئلة الصعبة حول السيادة، القرار، والقدرة.
الولاء كعنصر حاسم في القرار
يستند شينكر إلى مقولة شهيرة منسوبة لأحد كبار مسؤولي حزب الله: “لو طلب مني السيد علي خامنئي أن أطلق زوجتي، لفعلت.”
بالنسبة له، هذه العبارة ليست تفصيلًا، بل مؤشر على طبيعة العلاقة، “هذا يعكس مستوى من الالتزام يتجاوز الإطار الشخصي والوطني، ويجعل القرار في كثير من الأحيان بديهيًا ضمن هذا السياق.”
ويضيف أن الحزب “تم إنشاؤه لخدمة الثورة الاسلامية في ايران، وعندما يُطلب منه التدخل، يفعل ذلك، كما حصل بعد 8 أكتوبر 2023.”
إشكالية مطروحة
هذا الطرح يقود إلى سؤال جوهري: هل القرار الذي يتخذه الحزب نابع من حسابات لبنانية بحتة، أم من موقعه ضمن شبكة أوسع من التحالفات؟
يُلفت شينكر إلى دلالة التسمية، “هم لا يسمّون ‘المقاومة الإسلامية اللبنانية’، بل ‘المقاومة الإسلامية في لبنان’، وهناك فرق.”
ويتابع: “كثيرون قالوا لسنوات إنهم أقرب إلى الحرس الثوري في لبنان، ولم يصدقهم البعض، لكن هذا الطرح عاد ليظهر بشكل أوضح.”
ويشير إلى ما قاله المرشد الجديد مجتبى عن اعتبار “محور المقاومة كيانًا واحدًا”، معتبرًا أن ذلك “يضع لبنان ضمن هذا الإطار الأوسع، حيث تتداخل الساحات.”
الفصل بين البعد المحلي للحزب ودوره الإقليمي
لكن لماذا لا يُدرج الحزب في تفاهمات إيران؟ يطرح شينكر هذه المسألة بوضوح “ان هناك دولة الولايات المتحدة لا تعتبر لبنان تابعًا لإيران، كما لا تعتبر مضيق هرمز تابعًا لها.”
ويضيف: “لبنان يجب أن يتمتع بالسيادة، رغم أن وجود حزب الله يعني أن الحرس الثوري حاضر فعليًا على حدود إسرائيل الشمالية.”
وفي ما يخص الموقف الأميركي: “قد تطلب واشنطن من إسرائيل خفض وتيرة العمليات -كما قد يحصل في أي إدارة أميركية- لكنها لن تطلب منها التوقف عن استهداف تهديد مباشر.”
لذلك بين الاعتراف الدولي بسيادة لبنان، وواقع النفوذ الإقليمي، تبقى الصورة مزدوجة.
الهدنة وإعادة بناء القدرات
يشير شينكر إلى معطى أساسي وهو انه “خلال وقف إطلاق النار، كان الحزب يعيد بناء قدراته، وينفق أكثر من 50 مليون دولار شهريًا على الصواريخ والطائرات المسيّرة.” ويضيف “لهذا، من الصعب استبعاده من أي معادلة تتعلق بالأمن”.
لهذا فانه بالنسبة للمفاوضات التي سوف تجري بين لبنان واسرائيل يميّز بين حالتين، في غياب مفاوضات مباشر، تستمر الضربات، أما في حال وجود مفاوضات: “قد تتراجع الضربات بشكل كبير، لكنها لن تتوقف بالكامل”.
ويتساءل: هل تشكّل الهدنات مدخلًا للاستقرار، أم أنها تبقى مؤقتة في ظل استمرار إعادة التسلح؟
التصعيد والقرار الإيراني: هامش الغموض
عند سؤاله عن احتمال دفع إيران نحو التصعيد، يجيب شينكر بصراحة: “لا يمكنني أن أعرف ما يدور في ذهن خامنئي أو مجتبى.”
ويضيف “لديهم مفهومهم الخاص عن ‘النصر’، حتى في ظل الخسائر.”
كما يلفت إلى أن “إيران لم تتدخل مباشرة عندما تعرض الحزب لضربات قوية في أواخر 2024، ويرى أن الحسابات قد تشمل أوراق ضغط مرتبطة بالطاقة والاقتصاد العالمي، وفي التقدير القريب أتوقع نوعًا من التهدئة، لكن إذا بدأ التصعيد، فكل الاحتمالات مفتوحة.”
“خلال وقف إطلاق النار، كان الحزب يعيد بناء قدراته، وينفق أكثر من 50 مليون دولار شهريًا على الصواريخ والطائرات المسيّرة.” ويضيف “لهذا، من الصعب استبعاده من أي معادلة تتعلق بالأمن”.
إشكالية التحكم
هل القرار مركزي بالكامل، أم أن التفاعلات الميدانية قد تفرض مسارها؟
يصف شينكر ما حدث مؤخرًا بأنه مرحلة رمادية قبل تثبيت وقف إطلاق النار.”
ويشرح: “يحاول كل طرف تحقيق أكبر مكاسب ممكنة، حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، استمرت بعض الهجمات.”
كما يتوقف عند استهداف حركة أمل، معتبرًا أنه “قد يكون مرتبطًا بتقاربها مع حزب الله، أو ربما نتيجة ظروف ميدانية.”
ويختم هذه النقطة بالتأكيدان “عدد الضحايا كان كبيرًا وهذا أمر مأساوي.” وبرأيه ان الصراع لا يتوقف فجأة، بل يمر بمراحل انتقالية غير مستقرة.
يلفت شينكر إلى أن لبنان كان يشهد تحسنًا نسبيًا، فـ”الأموال بدأت تعود، والحياة الاقتصادية تتحسن، والحكومة بدأت بإصلاحات.”
لكنه يضيف، انهذا المسار بات مهددًا، ” فكيف يمكن تثبيت أي تعافٍ اقتصادي في ظل دورات متكررة من التصعيد؟
الجيش اللبناني: بين القيود والواقع
يقدّم شينكر تقييمًا تفصيليًا حول دور الجيش اللبناني، فقد” تم جمع بعض الأسلحة جنوب الليطاني، لكن التنفيذ كان محدودًا.”
ويضيف “الجيش كان يتصرف بردّ فعل، وأحيانًا تختفي الأسلحة قبل وصوله وهو تجنب الدخول إلى الملكيات الخاصة، وإعلان نجاحات قبل اكتشاف أنفاق لاحقًا.”
والأهم ان “القيادة لا ترى أن نزع سلاح حزب الله من مهامها الأساسية، بل تركز على الحفاظ على الاستقرار الداخلي.”
فهل تعكس هذه المقاربة عجزًا، أم خيارًا للحفاظ على التوازن الداخلي؟
يحذّر شنكر: ” لم يتحرك لبنان سيتحرك الآخرون، كما فعلت تركيا في شمال العراق”، ويضيف: “إسرائيل لن تقبل بهذا الواقع إلى الأبد، فغياب المبادرة الداخلية قد يفتح الباب أمام تدخلات خارجية”.

المفاوضات: فرصة جزئية
يرى شينكر أن “المفاوضات المباشرة قد تساعد في حل النزاعات الحدودية وتوضيح التوقعات، ”لكنه يضيف: “من الصعب تحقيق تقدم حقيقي طالما يحتفظ الحزب بقوة عسكرية مستقلة.” فكيف يمكن تثبيت وقف إطلاق نار في دولة لا تحتكر قرارها العسكري؟
اذن هل يمكن تحقيق تقدم تدريجي، أم أن جوهر الأزمة يعيق أي تسوية؟
يؤكد شينكر: “لا يمكن التنبؤ بدقة، فوجود مصالح متجذرة واقتصاد نقدي موازي يدعم بنى قائمة، يطرح أسئلة أساسية: هل ستتمكن الدولة من تنفيذ إصلاحات؟ وهل سيكون هناك رد فعل إذا تم استهدافت قدرات الحزب؟”
ويحذر: “الخطر ليس حربًا أهلية شاملة، بل عنفًا موجّهًا ضدّ الدولة.”
يربط شينكر المشهد بالملف النووي الإيراني بقوله “إذا فشلت المفاوضات، قد يعود التصعيد بسرعة.”
كما يشير إلى التأثيرات العالمية، فأسعار الطاقة، الإمدادات، والزراعةكلها تتأثر.”
“الجيش كان يتصرف بردّ فعل، وأحيانًا تختفي الأسلحة قبل وصوله وهو تجنب الدخول إلى الملكيات الخاصة، وإعلان نجاحات قبل اكتشاف أنفاق لاحقًا.”
أسئلة مفتوحة أكثر من إجابات
يختتم شينكر بنبرة إنسانية: “المأساة ليست فقط على مستوى الأطراف… بل على مستوى الناس.” ويضيف:
“في لبنان، كما في إيران، هناك رغبة بحياة طبيعية واستقرار.”
في المحصلة، لا يقدّم المبعوث الاميركي الاسبق للشرق الاوسط “دايفيد شينكر” “إجابات حاسمة بقدر ما يسلّط الضوء على تعقيدات المشهد، بين التداخل المحلي والإقليمي، وتحديات السيادةوحدود قدرة الدولة.
لبنان، في هذه القراءة، يقف أمام مفترق حساس، حيث تبقى الأسئلة مفتوحة، كيف يمكن تحقيق توازن بين الاستقرار الداخلي والتجاذبات الإقليمية؟ وهل يمكن تحويل التهدئة المؤقتة إلى مسار مستدام؟

