تمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية بواحدة من أعقد المنعطفات التاريخية منذ ثورة 1979، حيث تتقاطع نيران الحرب الإقليمية المفتوحة مع زلزال سياسي داخلي فجره اختيار مجتبى خامنئي مرشداً جديداً خلفاً لوالده الراحل علي خامنئي.
هذا التعيين، الذي جاء في توقيت عسكري حساس، لم يكن مجرد إجراء إداري لملء الفراغ، بل تحول إلى فتيل أشعل صراعات مكتومة بين أركان السلطة، وفتح الباب على مصراعيه أمام “الحرس الثوري” للاستفراد بمفاصل الدولة.
خلافة “الغرف المغلقة” وتصدع الإجماع الديني
وكشفت كواليس اختيار مجتبى خامنئي عن تباينات حادة داخل “مجلس خبراء القيادة”. فبينما دفع الجناح المتشدد نحو “توريث” المنصب لضمان الاستمرارية الأمنية، أثار هذا التوجه حفيظة مراجع دينية في مدينة قم، رأوا في الخطوة تحويلاً للنظام من “ولاية الفقيه” إلى “سلطنة وراثية”.
الحرس الثوري: من “حارس الثورة” إلى “مالك الدولة”
وفي ظل حالة الحرب والضربات الجوية التي تستهدف المنشآت الحيوية في طهران، وجد الحرس الثوري (الباسداران) الذريعة المثالية لإتمام عملية الاستيلاء الكامل على السلطة.
ويُنظر إلى مجتبى خامنئي تاريخياً على أنه “رجل الظل” المقرب من قيادات الحرس، وتعيينه يمثل انتصاراً كاملاً لهذا الجناح.
ويقوم الحرس الثوري حالياً بعملية “تطهير” صامتة داخل أجهزة الدولة، مستبعداً الشخصيات “البراغماتية” أو التي تميل للتهدئة مع الغرب.
الاستفراد بالسلطة تجلى في السيطرة المطلقة على الملف النووي، والسياسة الخارجية، والأهم من ذلك، الملف الاقتصادي. ومع اتساع رقعة المواجهة مع إسرائيل وواشنطن، تحول الحرس الثوري إلى سلطة عليا تفوق سلطة البرلمان والحكومة، مبرراً ذلك بضرورات “الأمن القومي” وحالة الطوارئ غير المعلنة.
التباينات الداخلية في ظل الحرب
تسببت الحرب في تعميق الفجوة بين تيارين داخل السلطة:
تيار “المواجهة القصوى”: الذي يقوده الحرس الثوري والمرشد الجديد، ويرى أن التصعيد هو الوسيلة الوحيدة لضمان بقاء النظام وفرض معادلات جديدة.
تيار “البقاء والاحتواء”: وهو تيار يضم بعض التكنوقراط والسياسيين الذين يخشون من أن يؤدي الإصرار على المواجهة المفتوحة إلى انهيار اقتصادي شامل وفوضى داخلية لا يمكن السيطرة عليها.
وهذا التباين ظهر بوضوح في الخلاف حول كيفية الرد على استهداف القادة في لبنان (كما حدث في غارة فندق الروشة) واستهداف طهران. وبينما يدفع الحرس نحو ردود عابرة للحدود، تحذر أصوات خافتة داخل “المجلس الأعلى للأمن القومي” من أن كلفة الحرب المباشرة قد تفوق قدرة النظام على الاحتمال، خاصة مع تزايد الغضب الشعبي.
الجيش الإيراني: الصمت القلق وتحدي “الازدواجية” العسكرية
وبينما يتصدر الحرس الثوري المشهد السياسي والعسكري في إيران، يبرز تساؤل جوهري حول موقع “الجيش النظامي” (الأرتش) في معادلة السلطة الجديدة، خاصة بعد تنصيب مجتبى خامنئي.
تاريخياً، تأسس “الأرتش” ليكون حامي الحدود والسيادة، بعيداً عن الأيديولوجيا السياسية المباشرة، إلا أن التحولات الأخيرة فرضت واقعاً جديداً قد يضع هذه المؤسسة العريقة أمام اختبار تاريخي.
صراع العقيدة: “السيادة” مقابل “الأيديولوجيا”
داخل أروقة قيادة الجيش النظامي، يسود نوع من “الصمت القلق”. فالجيش يرى في استفراد الحرس الثوري بقرار الخلافة وتعيين مجتبى خامنئي استكمالاً لعملية “تهميش” المؤسسة العسكرية النظامية لصالح المؤسسة الأيديولوجية.
وبينما يميل الحرس الثوري لخوض حروب الوكالات و”وحدة الساحات”، يركز الجيش النظامي على حماية “الأرض والحدود”.
وهذا التباين يزداد حدة اليوم؛ فالحرب مع إسرائيل وواشنطن تضع الجيش النظامي في خط المواجهة الأول للدفاع عن المجال الجوي والبحري الإيراني، بينما تُتخذ القرارات الاستراتيجية في مكاتب الحرس الثوري المقربة من المرشد الجديد.
“مجتبى” والحرس: عهد التمييز المالي واللوجستي
يُدرك ضباط الجيش النظامي أن وصول مجتبى خامنئي للسلطة يعني استمرار سياسة “التمييز” المالي واللوجستي. فمجتبى، الذي يُعتبر مهندس العلاقة مع القوى الأمنية، يميل تاريخياً لتفضيل الحرس الثوري في ميزانيات التسليح والامتيازات الاقتصادية.
هذا الواقع يخلق حالة من التململ الصامت داخل صفوف “الأرتش”، الذي يرى نفسه مكلفاً بالمهام الأصعب (حماية الحدود) بأقل الإمكانيات، مقارنة بالنفوذ المالي والسياسي الواسع الذي يتمتع به الحرس الثوري “المستأثر” بقرار الخلافة.
خطر “الانقسام” في اللحظات الحرجة
الخطر الأكبر الذي يواجه النظام في طهران هو احتمالية نشوء “شرخ” في الولاء بين المؤسستين في حال اندلاع احتجاجات شعبية واسعة ضد “الخلافة الوراثية”.
وفي تجارب سابقة، كان الجيش النظامي يميل للحياد أو رفض مواجهة الشعب مباشرة، بينما كان الحرس الثوري هو الأداة الضاربة للقمع. مع تعيين مجتبى، يخشى الجناح العسكري النظامي من أن يتم جره لمواجهة مباشرة مع الشارع لحماية “شرعية” يراها الكثيرون في الداخل منقوصة، مما قد يضع عقيدة الجيش (الوطن أولاً) في صدام مع أوامر المرشد الجديد (النظام أولاً).
التنسيق تحت ضغط الحرب
ورغم التباينات، تفرض الحرب الحالية نوعاً من التنسيق القسري. فالضربات الإسرائيلية والأمريكية لا تميز بين “أرتش” و”باسداران”. إلا أن مراقبين يشيرون إلى أن الجيش النظامي قد يلعب دور “بيضة القبان” في المستقبل؛ فإذا ما تعثرت خيارات مجتبى خامنئي العسكرية أو الاقتصادية، قد تبرز قيادات من الجيش النظامي كبديل “وطني” مقبول شعبياً ودولياً لإعادة التوازن المفقود، بعيداً عن راديكالية الحرس الثوري.
ويبقى الجيش الإيراني النظامي “العملاق الصامت” في طهران. ورغم ولائه الظاهري للمرشد الجديد، إلا أن استفراد الحرس الثوري بالسلطة والمال وقرار الخلافة يزرع بذور جفاء قد تظهر نتائجه عند أول منعطف أمني داخلي خطير.
الشارع الإيراني: هتافات ضد “الوراثة”
ولم تكن الساحة الداخلية بعيدة عن هذه الصراعات؛ فقد رصدت تقارير استخباراتية وإعلامية (مثل فرانس برس) موجات من الاحتجاجات والهتافات المناهضة لمجتبى خامنئي في طهران ومدن كبرى. الشارع الإيراني، الذي يعاني من ضغوط اقتصادية هائلة، يرى في تعيين مجتبى “غصباً لسيادة الشعب”. هذه المعارضة الشعبية تزيد من اعتماد مجتبى على قبضة الحرس الثوري الحديدية، مما يحول النظام فعلياً إلى “ديكتاتورية عسكرية” بصبغة دينية رقيقة.
وأمام ما تقدم فإن إيران اليوم تعيش صراعاً مزدوجاً؛ حرباً مع الخارج لتأمين نفوذها الإقليمي، وحرباً في الداخل لتثبيت أركان “المرشد الثالث”. إن نجاح الحرس الثوري في تنصيب مجتبى قد يمنح النظام تماسكاً أمنياً مؤقتاً، لكنه يزرع بذور انفجار داخلي بعيد المدى. فبين مطرقة الحرب وسندان الصراعات على الخلافة، تبدو السلطة في طهران أكثر انعزالاً عن شعبها، وأكثر ارتهاناً لخيار القوة العسكرية كسبيل وحيد للبقاء.

