لبنان بين المفاوضات والانتحار: صرخة عون لوقف نزيف الدماء تصطدم بجدار«المواجهة القصوى» لمحمد رعد

عون وحزب الله
المستقبل يبدو قاتماً إذا لم يتم جسر الهوة بين هذين الخيارين. فالتاريخ القريب أثبت أن لبنان لا يستطيع تحمل كلفة الحروب الطويلة وحده، وأن المجتمع الدولي، رغم وعوده، لن يهب للإنقاذ ما لم تظهر الدولة اللبنانية جدية في امتلاك قرارها السيادي.

يعيش لبنان اليوم واحدة من أدق وأخطر المراحل في تاريخه الحديث، حيث يجد نفسه عالقاً في عنق زجاجة الجغرافيا والسياسة، تتجاذبه رؤيتان متناقضتان لمستقبله ووجوده.

فبينما يبرز حراك سياسي ودبلوماسي يقوده رئيس الجمهورية جوزاف عون، متمسكاً بضرورة الذهاب نحو مفاوضات جادة لوقف الحرب ونزيف الدماء، يطل رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد بموقف صلب يشدد على المضي في المواجهة إلى أقصى حدودها.

هذا التباين ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر السياسية، بل هو صراع وجودي بين منطق “الدولة” الساعية للاستقرار، ومنطق “الساحة” المفتوحة على صراعات الإقليم.

مقاربة عون: السيادة عبر الدبلوماسية

ينطلق الرئيس جوزاف عون في إصراره على خيار المفاوضات من واقعية سياسية تدرك حجم الإنهاك الذي أصاب البنية التحتية والاجتماعية اللبنانية. فالدولة اللبنانية، التي تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية وهيكلية، لم تعد تملك ترف الاستمرار في حرب استنزاف مفتوحة لا أفق زمنياً لها.

يرى عون أن مصلحة لبنان العليا تكمن في استعادة قرار السلم والحرب إلى كنف المؤسسات الدستورية، وتنفيذ القرارات الدولية (وعلى رأسها القرار 1701) التي تضمن حماية الحدود اللبنانية عبر الجيش اللبناني والقوى الشرعية.

إن دعوة عون لوقف نزيف الدماء ليست استسلاماً، بل هي محاولة لإنقاذ ما تبقى من كيان الدولة ومنع تلاشیها تحت وطأة الغارات والتهجير الممنهج الذي يطال مئات الآلاف من اللبنانيين.

منطق رعد: المواجهة كخيار وحيد

في المقابل، يمثل النائب محمد رعد رؤية “حزب الله” التي ترى في المواجهة العسكرية مع إسرائيل “ضرورة وجودية” لا تقبل القسمة على اثنين.

وبالنسبة لرعد ومن خلفه حزب الله، فإن أي ذهاب للمفاوضات في ظل موازين القوى الحالية يُعد “انكساراً” وتفريطاً بعناصر القوة التي تراكمت عبر العقود.

يصر رعد على الذهاب إلى “أقصى حدود المواجهة”، معتبراً أن لبنان هو جزء لا يتجزأ من جبهة إقليمية واسعة، وأن مصير الساحة اللبنانية مرتبط عضوياً بما يجري في طهران وغزة.

إقرأ أيضا: اسرائيل لمبعوثة الأمم المتحدة: إضعاف الحزب مصلحة مشتركة بيننا وبين لبنان

هذا الموقف يضع لبنان في حالة تأهب دائم للقتال، ويجعل من فكرة “السلم” مجرد سراب ما لم تتحقق شروط المحور الإقليمي الذي ينتمي إليه الحزب، حتى لو كان الثمن تدمير ما تبقى من العاصمة والمدن الكبرى.

لبنان بين الحرب والسلم: أي مستقبل؟

هذا الانقسام الحاد يضع اللبنانيين أمام سؤال مصيري: أي لبنان نريد في المستقبل؟

  • خيار السلم: الذي يمثله حراك رئاسة الجمهورية، يعني العودة إلى منطق الدولة، تحييد لبنان عن صراعات المحاور، التركيز على إعادة الإعمار، وتطبيق الدستور الذي يحصر السلاح بيد المؤسسات العسكرية الرسمية.
  • خيار الحرب: الذي يصر عليه حزب الله، ما يعني استمرار لبنان كـ”صندوق بريد” إقليمي، وتحول مدنه إلى ساحات اختبار للأسلحة المتطورة، وبقاء شعبه رهينة لقرارات تُتخذ خارج حدوده الجغرافية.

المستقبل يبدو قاتماً إذا لم يتم جسر الهوة بين هذين الخيارين. فالتاريخ القريب أثبت أن لبنان لا يستطيع تحمل كلفة الحروب الطويلة وحده، وأن المجتمع الدولي، رغم وعوده، لن يهب للإنقاذ ما لم تظهر الدولة اللبنانية جدية في امتلاك قرارها السيادي.

اللحظة الحرجة

إن بقاء لبنان متأرجحاً بين مفاوضات عون ومواجهة رعد يعزز حالة التلاشي الوطني. إن نزيف الدماء الذي حذّر منه رئيس الجمهورية ليس مجرد أرقام في التقارير الإخبارية، بل هو تمزيق للنسيج الاجتماعي وضياع لمستقبل أجيال كاملة.

المطلوب اليوم ليس الانحياز لفئة ضد أخرى، بل الانحياز للبنان الكيان. إن أي مستقبل للبنان يتطلب تنازلاً من منطق “القوة الفائضة” لصالح منطق “القوة الشرعية”.

فهل ينجح صوت الدبلوماسية في خرق جدار الصواريخ، أم أن لبنان مكتوب عليه أن يبقى وقوداً لنار لا تنطفئ؟ الإجابة ستحددها الأيام المقبلة، وهي التي سترسم وجه لبنان الجديد: إما وطناً سيداً مستقراً، وإما ساحة دمار لا تنتهي.

السابق
اسرائيل لمبعوثة الأمم المتحدة: إضعاف الحزب مصلحة مشتركة بيننا وبين لبنان
التالي
«سنقصف بعد 10 دقائق».. إخلاء فندق في جونية بعد اتصال مجهول المصدر