لا شك أن التمديد الذي تم يوم أمس الاثنين، في التاسع من الشهر الجاري، في مجلس النواب، أثبت أن الطبقة السياسية، قديمها وجديدها، من ذات المدرسة التي تعلمت في صفوف وعلى مناهج المدرسة الأسدية التي حكمت لبنان على مدى أربعة عقود كاملة، وانسحبت بعد أن تركت عملاءها في لبنان. حيث في ظاهر الأمر الهدف الحفاظ على المؤسسات والدستور واستمرارية عملها، بينما الهدف الأساس هو تلبية طلبات استدامة وجودهم في الحكم واستمرارية نهجهم في المحافظة على وجودهم في السلطة والإمساك بمفاصل الدولة اللبنانية، تلبية لرغباتهم في الحكم واستمرارية سيطرتهم على مقدرات البلاد.
الحرب ذريعة للتمديد
هذا الأمر اتخذ من الحرب الإسرائيلية – الإيرانية على لبنان ذريعة للتمديد لأنفسهم سنتين، أي نصف ولاية لوكالتهم من المواطنين اللبنانيين في البرلمان الذي وُجد في الأساس للتشريع ومراقبة السلطة التنفيذية. بينما الحقيقة أن القوى السياسية والكتل النيابية هي ذاتها في البرلمان والسلطة التنفيذية، فمن يراقب من؟ ومن يحاسب من؟
فكانت الحرب ذريعة لنوايا مبيتة تهدف إلى التمديد وإصرارهم على الاستمرار في ذات السياسة المتبعة منذ ما بعد اتفاق الطائف 1990 حتى اليوم.
جدار الدولة العميقة
لذا، فالتقصير على مستوى القيادة يؤدي إلى ذات الأوضاع الراهنة. فالقوى العربية والدولية التي أبدت حرصها على لبنان، وخصوصاً في الزخم والقوة التي رافقت بداية العهد وما رافقها من بعض المتغيرات على إثر حرب الإسناد الأولى، أوحت ببوادر تغيير. لكن للأسف اصطدمت بجدار مسدود مبني بقوة من قبل الدولة العميقة، التي يُمسك بخيوطها وتفاصيلها حزب الله وشريكه في الثنائية الطائفية، والتي تتحكم بأكثرية أدوات وأجهزة الحكم في لبنان.
لعبة الداخل واستدراج العهد
وهذا ما أعطى رئيس السلطة التشريعية، نبيه بري، قوة زخم ودفع لاستدراج العهد وحكومته إلى ملعبه، فأغرقهم بتفاصيل وأساليب اللعبة السياسية الداخلية، مما ساهم في تفريغ العهد من أسباب القوة التي مُنحت له، وأدخله في دهاليز اللعبة السياسية اللبنانية التقليدية التي ألغت مفاعيل اتفاق السابع والعشرين من تشرين الثاني من العام 2024.
متاهة السلاح واتفاق وقف الأعمال العدائية
وأوقع العهد في متاهات تفسير الاتفاق: هل قرار حصرية السلاح يشمل كل الأراضي اللبنانية أم يقف عند حدود جنوبي نهر الليطاني؟ وهذا ما سمح لحزب الله بالتلاعب بقواعد اللعبة وتغيير كل قواعد الاتفاق، وأصبح بالتالي اتفاق وقف الأعمال العدائية حبراً على ورق من جهة لبنان.
مما أعطى الذريعة مجدداً للعدو الإسرائيلي لاجتياحٍ جديد للأراضي اللبنانية، والقصف والتدمير وتهجير اللبنانيين مرة أخرى. هذه الأعمال وضعت الدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية والعسكرية في وضع حرج للغاية، بل جعلت منها أضحوكة أمام القوى العربية والقوى الدولية، وأظهرتها عاجزة وغير قادرة على تنفيذ قراراتها، بل عاجزة حتى عن أي أعمال داخلية تُعيد بناء الدولة واستلام زمام الأمور.
غياب الدعم العربي والدولي
هذا الأمر انعكس على الحرب الدائرة، حيث لا وجود لأي مساعدات أو دعم من الأشقاء العرب وعلى مختلف المستويات، ويُبقي الأمور تسير على دقات الساعة الإسرائيلية، ومُنحت إسرائيل الضوء الأخضر لاستكمال ضرب حزب الله وفرض حصرية السلاح في لبنان وفق أجندتها، كون السلطة اللبنانية أثبتت عجزها في مكافحة تغوّل حزب الله وسيطرته على الدولة اللبنانية خدمة للمشروع الفارسي الذي تقوده إيران في المنطقة العربية، والساحة اللبنانية إحدى تجلياته وفيها أقوى أدواته وأذرعه.

