جغرافيا الغضب المتصل.. كيف وحّدت «دماء شبوة» جبهة الجنوب؟

Dhale Governorate Protests Yemen

لم تكن مظاهرات مطلع الأسبوع الجاري في الضالع اليمنية حدثاً محلياً معزولاً، بل جاءت كحلقة ضمن سلسلة مترابطة من الغضب الجنوبي المتصاعد، الذي رسم خريطة سياسية جديدة للجنوب اليمني. هذه الخريطة لم تُرسم بالشعارات فقط، بل بوقائع ميدانية ودماء سقطت في شبوة، لتتحول إلى نقطة تحول أعادت تعريف العلاقة بين الشارع الجنوبي ومشروعه السياسي.

شبوة: لحظة الانفجار الرمزي

شكلت أحداث شبوة، وما رافقها من سقوط قتلى وجرحى خلال مواجهات بين قوات أمنية ومحتجين، لحظة مفصلية. لم تكن القضية مجرد احتجاج على وضع معيشي، بل تحولت إلى رمز لما اعتبره كثير من الجنوبيين «استهدافاً سياسياً» لمناطق تعتبر خزانات بشرية للحراك الجنوبي.

تحولت شبوة من محافظة نفطية متنازع عليها إلى رمز سياسي. في الخطاب الشعبي، لم تعد شبوة مجرد جغرافيا، بل أصبحت «جبهة أولى»، و«دماء مؤسسة» لموجة احتجاجية جديدة.

الضالع: قلب الجنوب النابض

حين خرجت الضالع إلى الشارع الإثنين الفائت، لم يكن ذلك مفاجئاً. تاريخياً، تعتبر الضالع واحدة من أكثر المحافظات ارتباطاً بالحراك الجنوبي منذ انطلاقه عام 2007. وهي أيضاً واحدة من أكثر المناطق التي واجهت الحوثيين عسكرياً منذ 2015.

خروج الضالع لم يكن فقط تضامناً مع شبوة، بل إعلاناً عن إعادة تفعيل «مركز الثقل الشعبي». فالضالع، بما تمثله من رمزية قتالية وتاريخ احتجاجي، تعتبر بمثابة مؤشر على المزاج العام للشارع الجنوبي.

الجغرافيا تتصل: من الضالع إلى حضرموت والمهرة

لم تبق التظاهرات محصورة في الضالع. شهدت مدن في حضرموت، خاصة المكلا وسيئون، تحركات شعبية، وكذلك المهرة. وحملت هذه الامتدادات الجغرافية دلالة استراتيجية: الجنوب لم يعد جغرافيا مفككة، بل فضاء سياسي متصل.

اللافت أن المحافظات الشرقية، التي كانت توصف سابقاً بأنها أقل ارتباطاً بالحراك الجنوبي التقليدي، أصبحت جزءاً من موجة الاحتجاج. وهذا يمثل تحولاً نوعياً في ميزان القوة الشعبية

وحدة الشعور السياسي

ما وحد هذه المناطق لم يكن التنظيم المركزي، بل الشعور المشترك بالتهديد السياسي والاقتصادي. الأزمة الاقتصادية، انهيار العملة، تراجع الخدمات، والشعور بالتهميش السياسي، كلها عوامل خلقت بيئة جاهزة للاحتجاج.

لكن العامل الأهم كان الإدراك الشعبي بأن ما يحدث في محافظة ما قد يتكرر في أخرى. هذا الإدراك خلق ما يمكن تسميته «تضامناً وقائياً».

والنتيجة الأبرز كانت انتقال الجنوب من حالة التفاعل المحلي إلى حالة التفاعل الجبهوي. لم تعد الاحتجاجات مجرد ردود فعل، بل أصبحت جزءاً من معركة سياسية أوسع حول مستقبل الجنوب.

هذا التحول يعيد تعريف الجنوب ليس فقط كجغرافيا، بل كفاعل سياسي موحد.

السابق
وزير المالية يشدد الرقابة على حفلات الفنانين الأجانب: إجراءات صارمة لمنع التهرب الضريبي
التالي
غارات وقصف في البقاع والجنوب واستنفار اسرائيلي خشية التصعيد