شهد النصف الأول من شهر فبراير الجاري تحولاً جذرياً في مسار القضية الجنوبية، حيث انتقل الفعل الشعبي من المطالبات الخدمية إلى «التصعيد السيادي» الشامل. هذه الموجة، التي عُرفت بـ «خارطة الغضب»، لم تكن مجرد رد فعل عفوي، بل كانت حراكاً منظماً انطلق من «المحور الصلب» (الضالع – يافع – ردفان) ليمتد إلى أقصى الشرق، مجهضاً مشاريع «الأقلمة القسرية» التي حاولت أطراف إقليمية ودولية فرضها مطلع العام.
1- عتق (شبوة): «الأربعاء الدامي» وشرارة الانفجار (11 فبراير)
بدأت خارطة الغضب من محافظة شبوة، وتحديداً مدينة عتق. في الأربعاء 11 فبراير، تحولت وقفة احتجاجية سلمية أمام المجمع الحكومي إلى مواجهات دامية بعد محاولة قوات الأمن (التابعة لمجلس القيادة الرئاسي) فض المحتجين بالقوة.
وطالب المحتجون برحيل القوات غير الجنوبية وتمكين أبناء المحافظة من إدارة ملفهم الأمني والعسكري.
ووفقاً لتقارير طبية من مستشفى عتق العام، أسفرت المواجهات عن مقتل شخصين أحدهما مدني وإصابة 9 آخرين.
وبذلك، كان مثلت دماء عتق «الوقود» الذي أشعل بقية الساحات، حيث تحولت القضية من صراع محلي إلى قضية “كرامة وطنية جنوبية” جامعة.
2- المكلا – حضرموت: العصيان المدني وسيادة النخبة (14 فبراير)
انتقل الزخم شرقاً إلى حضرموت، حيث شهدت مدينة المكلا في السبت 14 فبراير عصياناً مدنياً شاملاً بدعوة من الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي.
شُلّت الحركة التجارية بنسبة تجاوزت 75% بحسب تقديرات الغرفة التجارية بالمكلا.
وكانت المطالب رفض محاولات تفكيك «قوات النخبة الحضرمية» والوقوف ضد مساعي إنشاء أقاليم إدارية تعزل ساحل حضرموت عن عمقه الجنوبي.
هنا، أثبتت حضرموت أن سيادة الأرض هي الأولوية القصوى، رافضة أي ترتيبات تنتقص من خصوصيتها ضمن الدولة الجنوبية المنشودة.
3- الضالع: “مليونية الثبات” واستعراض القوة (16 فبراير)
في الاثنين 16 فبراير، بلغت الموجة ذروتها في الضالع، العاصمة الروحية والعسكرية للمحور الاستراتيجي الصلب.
تقاطرت الحشود من 9 مديريات ضالعية، معززة بكتل بشرية ضخمة من يافع وردفان. هذا التلاحم (الضالع – يافع – ردفان) وجه رسالة حاسمة بأن العمود الفقري للمجلس الانتقالي لا يزال صلباً وغير قابل للاختراق.
وقدرت اللجان التنظيمية الحشد بعشرات الآلاف الذين غطوا «شارع الصمود»، في مشهد وصفته قناة عدن المستقلة (AIC) بأنه «الاستفتاء الشعبي الأكبر» لدعم الإعلان الدستوري الصادر في يناير 2026.
وأعلن البيان الختامي تجديد التفويض للرئيس عيدروس الزبيدي، ورفض أي شراكة لا تضمن حق تقرير المصي
4- عدن: نبض الشارع وأزمة الرغيف (18 فبراير)
لم تكن العاصمة عدن بمعزل عن هذا الغضب، بل كانت المحرك الاقتصادي والسياسي له. في الأربعاء 18 فبراير، خرج «شباب الغضب» في مديريات المنصورة والشيخ عثمان.
وكان المحرك الاقتصادي أن الريال اليمني سجل انهياراً تاريخياً بوصوله إلى 2420 ريال مقابل الدولار الواحد (بحسب نشرة البنك المركزي-عدن)، مما جعل الاحتجاج السياسي يمتزج بـ «ثورة الجياع».
وأكد المركز الإعلامي لقوات الحزام الأمني أن الاحتجاجات كانت تعبيراً عن ضيق المواطنين من سياسة «التجويع الممنهج» التي تتبعها الحكومة، محملين مجلس القيادة الرئاسي المسؤولية الكاملة.
سقوط مراهنات التفتيت
أثبتت أحداث فبراير 2026 أن الرهان على تفتيت الجنوب عبر «الأقلمة القسرية» قد سقط عملياً. لقد توحدت خارطة الغضب من الضالع غرباً إلى المكلا شرقاً تحت راية واحدة، مدفوعة بـ:
- الفشل الاقتصادي الذريع للحكومة والانهيار النقدي غير المسبوق
- الاستفزاز العسكري بمحاولة إحلال قوات بديلة (درع الوطن) في مناطق نفوذ القوات الجنوبية
- الوعي الجماهيري الذي يرى في المجلس الانتقالي الضامن الوحيد لتحقيق الاستقلال

