مع إعلان الرئيس نبيه بري ترشحه لانتخابات 2026 كأول اسم على لوائح “الثنائي”، لا يجد اللبنانيون، والشيعة منهم على وجه الخصوص، أنفسهم أمام مشهد ديمقراطي طبيعي، بل أمام محاولة جديدة لتثبيت “نظام الغلبة” الذي يحكم قبضته على قرار الطائفة منذ ثلاثين عاماً.
إن الإصرار على تصدر المشهد ليس مجرد “واجب وطني” كما يُروج له، بل هو إعلان صريح عن استمرار سياسة الاستئثار، وتقاسم المقاعد النيابية كأنها “إقطاعيات خاصة” لا مكان فيها لصوت مستقل أو فكر مختلف.
ثلاثون عاماً من الاحتكار.. ألم يحن وقت التغيير؟
منذ مطلع التسعينيات، تحول المقعد النيابي في الجنوب والبقاع والضاحية إلى “وديعة” دائمة في جيب الثنائي (حركة أمل وحزب الله). هذا التحالف الذي قام على قاعدة “تقاسم الجبنة” وتوزيع المغانم، لم يكتفِ بإلغاء التعددية السياسية داخل الطائفة الشيعية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عبر اختزال تاريخ وحاضر ومستقبل مكون أساسي في شخصيات وأحزاب بعينها.
إقرأ أيضا: الفراغ السني وعودة «المستقبل»: مَن ربح مِن الغياب ومَن يخشى العودة؟
إن الإصرار على الترشح اليوم، وسط الانهيار الشامل الذي ساهمت فيه هذه الطبقة السياسية، هو “استفزاز” لكل لبناني شيعي يطمح لأن يرى كفاءات جديدة تخرج من عباءة “الولاء الأعمى” إلى رحاب المواطنة والدولة.
مقايضة المقاعد: الطائفة ليست “كتلة صماء”
ما يمارسه الرئيس بري بالتنسيق مع حزب الله هو “عملية جراحية” دقيقة لاستئصال أي نفس معارض. يتم توزيع المقاعد الـ27 المخصصة للطائفة بالمسطرة والقلم، في مشهد يفتقد لأدنى معايير التنافسية.
وبدلاً من أن تكون الانتخابات فرصة للمحاسبة على سوء الخدمات والانهيار المعيشي الذي يفتك ببيئة الثنائي قبل غيرها، يتم تحويلها إلى “مبايعة قسرية” تحت شعار حماية “المقاومة” أو “الميثاقية”.
لقد ملّ الشيعة المستقلون، من نخب ومثقفين وأكاديميين، من وصمة “التخوين” التي تُلاحق كل من يجرؤ على انتقاد هذا الاحتكار. الطائفة الشيعية في لبنان ليست “عسكراً” في خدمة أجندات إقليمية، وليست “مخزناً للأصوات” يُفتح كل أربع سنوات لتجديد ولايات أبدية لمن عجزوا عن تأمين أبسط حقوق العيش الكريم.
لماذا يخشون “الصوت المستقل”؟
إن الذعر الذي يبديه الثنائي تجاه أي خرق، ولو بمقعد واحد، يفسر لماذا يصر الرئيس بري على أن يكون “المرشح رقم 1”. هم يخشون التنوع لأنه يكسر “سردية الأحادية”، ويخشون الصوت المستقل لأنه يحرجهم أمام الدولة والمجتمع الدولي، ويثبت أن هناك “شيعية لبنانية عربية” ترفض الارتهان للخارج، وتطمح لبناء دولة القانون لا دولة “المحاصصة والمحسوبيات”.
2026.. استعادة الهوية لا تجديد الولاية
إن معركتنا اليوم كمعارضة شيعية ليست ضد أشخاص، بل ضد “نهج” حول الطائفة إلى متراس لمواجهة بقية الشركاء في الوطن. إن استمرار الرئيس بري في سدة التشريع لثلاثين عاماً هو “العَرَض” الأبرز لمرض السياسة اللبنانية.
آن الأوان لفك هذا الارتباط القسري بين الطائفة وبين التحالفات المصلحية. آن الأوان ليعود الجنوب والبقاع والضاحية ساحات للتنوع والحوار، لا ساحات لتعليق الصور والهتاف لمن استأثروا بالسلطة حتى أورثونا الركام.

