لطالما ساد انطباع في لبنان، طوال عقدين من الزمن، بأن الجنوب اللبناني هو “إقطاعة سيادية” خارجة عن سياق الدولة المركزية، حيث كانت الهوية الحزبية للثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) تتقدم على الهوية الوطنية، وصورة “المقاومة” تحجب ظل “المؤسسات”. إلا أن المشهد الذي رافق زيارة رئيس الحكومة نواف سلام الأخيرة إلى الجنوب، والتبدل الدراماتيكي في لهجة التخاطب والتعامل الميداني، يشي بأننا لسنا أمام مجرد “زيارة بروتوكولية”، بل أمام تحول استراتيجي فرضته “الخيارات المعدومة” والمتغيرات الدولية والإقليمية العاصفة.
من “التخوين” إلى “الاستقبال الحار”: قراءة في دوافع الرضوخ
لا يمكن قراءة المشهد الجنوبي اليوم دون استعادة أرشيف السنتين الماضيتين، حين كان اسم نواف سلام يُقابل بحملات تخوين شرسة من قبل ماكينات الثنائي الإعلامية، وصمته بـ”العمالة” تارة و”التبعية للخارج” تارة أخرى. اليوم، يتبدل المشهد؛ نواب الثنائي يتسابقون لالتقاط الصور مع رئيس الحكومة، والبلديات التي تدور في فلكهم ترفع يافطات الترحيب الموحدة.
يعكس السلوك الحالي للثنائي محاولة للالتفاف على “العجز”. فحين يعجز الحزب عن تأمين الإيواء والتعويض، يفتح الأبواب لرئيس الحكومة ليتحمل هو المسؤولية أمام الناس
هذا “الرضوخ” ليس ناتجاً عن قناعة إيديولوجية مستجدة بمشروع الدولة، بل هو نتيجة مباشرة لانسداد الأفق. فالثنائي اليوم يعيش حالة “يتم سياسي ومالي” غير مسبوقة؛ إذ لم تعد طهران قادرة على تمويل “صندوق إعادة الإعمار” كما فعلت في عام 2006، وسقطت رهانات “وحدة الساحات” أمام الضربات الإسرائيلية التي لم تبقِ ولم تذر.
إقرأ أيضا: رحيل «القبعات الزرقاء»: جنوب لبنان في مهب الفراغ الاستراتيجي!
وجد الثنائي نفسه أمام ركام هائل في عيتا الشعب وكفركلا وبنت جبيل، وأمام جمهور “متألم” بدأ يرفع صوته متسائلاً عن الوعود والتعويضات. هنا، لم يجد الثنائي بداً من الاحتماء بعباءة الدولة اللبنانية، باعتبارها القناة الوحيدة المتبقية لجلب المساعدات الدولية وإعادة الإعمار.
الدولة كـ”حاجة” لا كـ”خيار”
يعكس السلوك الحالي للثنائي محاولة للالتفاف على “العجز”. فحين يعجز الحزب عن تأمين الإيواء والتعويض، يفتح الأبواب لرئيس الحكومة ليتحمل هو المسؤولية أمام الناس. وبذكاء سياسي، يحاول الثنائي تصوير وصول المساعدات عبر قنوات الدولة (مثل مجلس الجنوب) على أنه إنجاز له، مستخدماً “الليونة” الحالية كدرع يحميه من غضب الشارع الجنوبي الذي اكتشف فجأة أن “فائض القوة” لا يبني بيتاً ولا يؤمن مأوى.
المواطن الجنوبي اليوم، ورغم ولائه الحزبي، بات يتطلع إلى “القبعة الزرقاء” و”البزة العسكرية للجيش اللبناني” و”مواكب رئيس الحكومة” كرموز للأمان المفقود
لكن هذه الليونة تخفي خلفها اعترافاً ضمنياً بأن موازين القوى قد تغيرت. فالمجتمع الدولي، وتحديداً القوى المانحة والوسطاء، أبلغوا الجانب اللبناني بوضوح: “لا أموال للإعمار دون سيادة كاملة للدولة، ولا تعامل مع قوى خارج الإطار الشرعي”.
هذا الضغط الدولي جعل الثنائي يدرك أن الاستمرار في “مشاكسة” الحكومة أو تعطيلها سيؤدي إلى انفجار اجتماعي داخل بيئته، مما دفع الرئيس نبيه بري لإعطاء الضوء الأخضر لـ”أحسن استقبال” لنواف سلام، في محاولة لربط النزاع والحفاظ على ما تبقى من نفوذ داخل مؤسسات الدولة.
سقوط “الدويلة” تحت وطأة الواقع
إن التحول الذي نراه اليوم في الجنوب هو بداية “نهاية حقبة الدويلة” التي حاولت منافسة الدولة في وظائفها الأساسية. فالتصنيفات الدولية الأخيرة (مثل قرار الكويت تجاه مؤسسات الحزب الصحية) والضغوط المالية والانهيار الميداني، جردت الثنائي من أدوات “الاستغناء عن الدولة”.
إقرأ أيضا: الانتخابات بين استحقاق دستوري وإعادة إنتاج السلطة
المواطن الجنوبي اليوم، ورغم ولائه الحزبي، بات يتطلع إلى “القبعة الزرقاء” و”البزة العسكرية للجيش اللبناني” و”مواكب رئيس الحكومة” كرموز للأمان المفقود. لقد أدرك الناس أن “المغامرات العسكرية” التي أدت إلى تدمير القرى، لا يمكن معالجة تداعياتها إلا من خلال “الشرعية الدولية” و”الحكومة المركزية”.
هذا الوعي الشعبي المتزايد شكل ضغطاً إضافياً على الثنائي، الذي وجد نفسه مضطراً للسير في جنازة “سلطته المطلقة” في الجنوب والمشاركة في استقبال “البديل الطبيعي” وهو الدولة.
نحو مرحلة انتقالية حذرة
بالرغم من هذه “الليونة”، يبقى الحذر سيد الموقف. فالثنائي يحاول “تسييل” رضوخه للدولة في إطار الحصول على مكاسب في ملفات أخرى، مثل التعيينات أو قانون الانتخاب. لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أن “قطار الدولة” قد انطلق في الجنوب، مدعوماً بقرار دولي لا رجعة عنه، وبيئة محلية منهكة لم تعد تحتمل “الازدواجية”.
أثبتت التجربة القاسية التي مر بها الجنوب أن “الدولة” هي الملاذ الأخير والحصن الوحيد الذي لا يسقط. وما نراه من “رضوخ” للثنائي الشيعي ليس تكتيكاً عابراً فحسب، بل هو اعتراف بمرارة الواقع: لقد انتهى زمن “فائض القوة”، وبدأ زمن “العودة إلى كنف الشرعية”
إن استقبال رئيس الحكومة في الجنوب من قبل من كانوا يخوّنونه، هو إقرار بهزيمة “مشروع الانفصال عن الدولة”. وإذا استمرت الحكومة في فرض هيبتها، مدعومة بالجيش اللبناني والقرار الدولي، فإن الجنوب سيشهد تدريجياً عودة الحياة الطبيعية التي تقوم على القانون لا على “فتوى السلاح”، وعلى الرعاية الرسمية لا على “صدقات الأحزاب”.
وفي نهاية المطاف، أثبتت التجربة القاسية التي مر بها الجنوب أن “الدولة” هي الملاذ الأخير والحصن الوحيد الذي لا يسقط. وما نراه من “رضوخ” للثنائي الشيعي ليس تكتيكاً عابراً فحسب، بل هو اعتراف بمرارة الواقع: لقد انتهى زمن “فائض القوة”، وبدأ زمن “العودة إلى كنف الشرعية”، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الدولة، ولا علم يرفرف فوق ركام الجنوب إلا العلم اللبناني.

