في وقت تتجه فيه الأنظار نحو صفيح الشرق الأوسط المشتعل، برزت ملامح “انفراجة حذرة” على خط واشنطن-طهران، ترجمتها تصريحات تركية رفيعة المستوى وأصوات قادمة من البيت الأبيض، تشير إلى أن “خيار الاتفاق” عاد ليتصدر الطاولة كبديل وحيد لسيناريو الحرب الشاملة.
فيدان يكشف “كلمة السر”: التسامح مع التخصيب
كشف وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، عن تحول جوهري في المقاربة الأميركية؛ حيث أشار في حديث لصحيفة “فاينانشال تايمز” إلى أن واشنطن تبدي استعداداً لـ”التسامح” مع تخصيب إيران لليورانيوم، شريطة وضعه ضمن أطر وحدود واضحة. هذا التحول يمثل تراجعاً عن سياسة “التصفير” المطلق التي كانت تسود سابقاً، مما يفتح الباب أمام “أرضية مشتركة” كانت مفقودة لسنوات.
إقرأ أيضا: هيبة السلاح تتآكل أمام عطش الدولة.. علي الأمين: الثنائي الشيعي محاصر ويحتمي بزيارة سلام للجنوب
إلا أن فيدان لم يغفل وضع الإصبع على الجرح، محذراً من “فخ” توسيع المفاوضات لتشمل برنامج الصواريخ الباليستية؛ إذ اعتبر أن إقحام هذا الملف المعقد في الاتفاق النووي قد ينسف الجهود الدبلوماسية ويقود المنطقة إلى “حرب أخرى” لا يريدها أحد.
ترامب ونتنياهو: مفاوضات تحت الضغط
من جانبه، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب متمسكاً بـ”براغماتيته” المعهودة. فرغم القمة الطويلة التي جمعته برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكد ترامب أن الاتفاق مع إيران يظل “الخيار المفضل”، داعياً طهران للتعامل بـ”عقلانية أكبر”. اللافت في تصريحات ترامب هو عدم منحه “شيكاً على بياض” للموقف الإسرائيلي المتشدد، وإصراره على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، مما يعكس رغبة أميركية في احتواء الملف النووي قبل وصوله إلى نقطة اللاعودة.
عراقجي: السيادة مقابل العدالة
على المقلب الآخر، رسم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حدود المناورة الإيرانية؛ فبينما أكد أن الاتفاق “ممكن”، اشترط أن يكون “عادلاً ومتوازناً”. رسالة عراقجي المزدوجة التي تضمنت وعيداً بالدفاع عن السيادة “مهما كانت التكلفة” ويداً ممدودة للتفاوض، تعكس حاجة طهران لرفع الضغوط الاقتصادية مع الحفاظ على كبريائها القومي ومكاسبها التقنية.
هل ارتفعت نسبة التفاؤل؟
وعند قراءة هذه المستجدات مجتمعة، يمكن القول إن “مؤشر التفاؤل” قد ارتفع فعلياً، لكنه يظل تفاؤلاً مشروطاً ومحفوفاً بالمخاطر، وذلك للأسباب التالية:
- الاعتراف بالواقع: يبدو أن واشنطن بدأت تقتنع بأن منع إيران من التخصيب كلياً بات أمراً مستحيلاً تقنياً، فاتجهت نحو “تنظيمه” بدلاً من “منعه”، وهو ما تطلبه إيران تاريخياً.
- فصل الملفات: نصيحة فيدان بفصل النووي عن الصواريخ الباليستية قد تكون هي المخرج الوحيد؛ فدمجهما يعني الفشل المحتوم، وفصلهما يعني إنجازاً جزئياً يبرد الجبهة النووية.
- التوقيت الإقليمي: حاجة ترامب لتحقيق “صفقة كبرى” تنهي استنزاف الموارد الأميركية في الشرق الأوسط، تقابلها حاجة إيران لالتقاط الأنفاس في ظل التغييرات الجيوسياسية المتسارعة (مثل سقوط النظام السوري وانكفاء الأذرع).
ويبدو المشهد اليوم أمام فرصة ديبلوماسية “ذهبية” يغذيها الخوف المتبادل من الحرب. فإذا نجحت الأطراف في تحييد “ألغام” الصواريخ الباليستية والضغوط الإسرائيلية، فقد نكون أمام “اتفاق إطار” جديد يعيد رسم توازنات المنطقة بالدبلوماسية لا بالبارود.

