رحيل «القبعات الزرقاء»: جنوب لبنان في مهب الفراغ الاستراتيجي!

اليونيفيل
إن قرار الانسحاب قد يُقرأ دولياً على أنه اعتراف ضمني بفشل تطبيق هذا القرار، أو على الأقل انتفاء الحاجة إليه بصيغته الحالية. هذا التحول سيفتح الباب أمام تل أبيب للمطالبة بفرض "واقع أمني جديد" أو "منطقة عازلة" بوسائل عسكرية بحتة، طالما أن الترتيبات الدبلوماسية الأممية قد رُفعت عن الطاولة.

بينما يشتعل الجنوب اللبناني على وقع مواجهات ميدانية هي الأعنف منذ عقود، جاء إعلان المتحدثة باسم قوات “اليونيفيل”، كانديس أرديل، عن جدولة انسحاب تدريجي ينتهي بحلول عام 2027، ليضع المنطقة برمتها أمام استحقاق تاريخي وقلق وجودي. هذا القرار، الذي يتجاوز بتبعاته الجوانب اللوجستية، يمثل عملياً إعلاناً عن نهاية حقبة “الضمانة الدولية” التي بدأت مع القرار 425 في العام 1978، مما يفتح الأبواب على مصراعيها أمام مرحلة “المواجهة المكشوفة” في نفق من الاحتمالات الأمنية والسياسية بالغة التعقيد.

تآكل الرقابة وصدمة الفراغ الأمني

لطالما شكلت “اليونيفيل” في الوجدان السياسي اللبناني، وبالرغم من الانتقادات أحياناً، صمام الأمان الذي يمنع انزلاق الاحتكاكات الموضعية إلى حروب شاملة. ومع بدء العد العكسي لهذا الوجود، يبرز خطر “تآكل الرقابة الدولية”، فغياب المراقبين الدوليين يعني غياب “العين المحايدة” التي توثق الانتهاكات، مما سيحول “الخط الأزرق” من منطقة مراقبة إلى منطقة “تماس مباشر” تفتقر إلى أي آلية للارتباط أو التهدئة السريعة.

هذا الفراغ سيضع الجيش اللبناني أمام اختبار هو الأصعب في تاريخه الحديث. ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تنهك المؤسسة العسكرية، سيجد الجيش نفسه وحيداً في مواجهة مسؤوليات مضاعفة لضبط الحدود ومنع المظاهر المسلحة، وهي مهمة تتطلب إمكانيات لوجستية وتقنية تفوق قدراته الحالية بكثير.

إقرأ أيضا: سوريا الحرّة (2): مقام السيدة زينب.. بحماية الأمويين

إن انسحاب القوات الدولية في هذا التوقيت يمثل عبئاً استراتيجياً قد يؤدي إلى انكشاف الحدود تماماً أمام حرية الحركة العسكرية للطرفين، مما يجعل من أي “احتكاك غير مقصود” عود ثقاب كفيل بإشعال حريق إقليمي لا يمكن احتواؤه.

القرار 1701: المظلة التي بدأت تترنح

سياسياً، يرتبط وجود “اليونيفيل” برباط عضوي بالقرار الدولي 1701، الذي شكّل منذ عام 2006 دستوراً للاستقرار الهش.

إن قرار الانسحاب قد يُقرأ دولياً على أنه اعتراف ضمني بفشل تطبيق هذا القرار، أو على الأقل انتفاء الحاجة إليه بصيغته الحالية. هذا التحول سيفتح الباب أمام تل أبيب للمطالبة بفرض “واقع أمني جديد” أو “منطقة عازلة” بوسائل عسكرية بحتة، طالما أن الترتيبات الدبلوماسية الأممية قد رُفعت عن الطاولة.

علاوة على ذلك، سيفقد لبنان برحيل هذه القوات جسراً ديبلوماسياً حيوياً كان يتيح له ممارسة الضغط الدولي للجم الاعتداءات الإسرائيلية. فاليونيفيل لم تكن مجرد جنود بملابس مرقطة، بل كانت تمثل “المظلة الشرعية” التي تمنح الجنوب صفته الدولية، وتحول دون انفراده في صراع غير متكافئ القوى.

استراتيجية “الاشتباك المباشر” وسباق التسلح

ميدانياً، سينقل الانسحاب الصراع إلى مرحلة شديدة الخطورة. فمن دون وجود قوات فصل، ستتحول القرى والبلدات الحدودية إلى ساحات مواجهة مباشرة مع التوغلات الإسرائيلية، على غرار ما شهدناه مؤخراً من عمليات تفخيخ ونسف للمنازل في “بليدا” وعمليات توغل واختطاف في “الهبارية”. هذه المشهديات ستصبح واقعاً يومياً متكرراً في ظل غياب الرادع الدولي الميداني.

في المقابل، سيؤدي هذا الفراغ حتماً إلى “سباق تسلح حدودي” محموم؛ إذ سيسعى كل طرف إلى ملء الفراغ السيادي والأمني الذي خلفته القوات الدولية، مما سيحول المنطقة الحدودية من “حزام استقرار” مفترض إلى “ثكنة دائمة” ومسرح لعمليات عسكرية استباقية، حيث يسود منطق القوة على منطق القرار الدولي.

دلالات التوقيت: نهاية الدور أم تغيير المهمة؟

يبقى السؤال الجوهري: لماذا عام 2027؟ يرى بعض المحللين أن هذا الموعد يرتبط بتراجع التمويل الدولي وتحول أولويات القوى الكبرى نحو صراعات أخرى في أوروبا وآسيا. لكن من منظور أكثر عمقاً، قد يعكس هذا القرار رغبة دولية في دفع لبنان وإسرائيل نحو “تسوية حدودية برية” نهائية، تجعل من وجود قوات الفصل أمراً زائداً عن الحاجة. أو ربما هو اعتراف مرير بأن التكنولوجيا العسكرية الحديثة، من مسيّرات ذكية وأنفاق استراتيجية، قد تجاوزت قدرة القوات التقليدية على المراقبة والضبط، مما جعل الصيغة الحالية لليونيفيل صيغة من الماضي.

نحو سيادة بائسة أو استراتيجية بديلة

إن الجنوب اللبناني يقف اليوم أمام مفترق طرق وجودي. فانسحاب “اليونيفيل” ليس مجرد إجراء فني، بل هو تجريد للأرض من حمايتها الدولية الأخيرة. وإذا لم تدرك الدولة اللبنانية خطورة المرحلة، وتبادر فوراً إلى تعزيز حضور جيشها وصياغة استراتيجية دفاعية وطنية صلبة وقادرة قبل حلول عام 2027، فإن الحدود ستكون مشرعة على كافة السيناريوهات الكارثية. وفي غياب “القبعات الزرقاء”، لن تتبقى سوى لغة الميدان لترسم بحدود البارود ملامح السيادة والأمن، في منطقة لم تعد تحتمل المزيد من المقامرات الاستراتيجية.

السابق
الأمين من السفارة المصرية: نراهن على الدور المصري في دعم السيادة
التالي
وزارة الصحة تعلن تغطية عمليات القسطرة الدماغية والعناية الفائقة مجاناً