نعيم قاسم في «الغرفة العازلة»: خطاب الانفصال عن جغرافيا الهزيمة

نعيم قاسم

في كل مرة يخرج فيها الشيخ نعيم قاسم ليلقي خطاباً، يبدو وكأنه يتحدث من “غرفة عازلة” للصوت والواقع، حيث تتردد أصداء سرديات الثمانينيات في زمنٍ لم تعد فيه الجغرافيا ولا موازين القوى تشبه ما كانت عليه.

خطاب قاسم الأخير لم يكن مجرد عرض للمواقف، بل كان تجسيداً لحالة “الإنكار المنظم” وانفصالاً جذرياً عن الواقع اللبناني، وعن التموضعات الإقليمية الجديدة التي جعلت من “محور الساحات” مجرد ذكرى في أرشيف السياسة الإيرانية.

سريالية النصر في زمن الركام

يدخل الشيخ نعيم قاسم في سرديات خيالية تتحدث عن “توازن الردع” واستعادة القدرات، بينما تشير الحقائق على الأرض إلى واقع مغاير تماماً.

يتحدث عن صمود المنظومة العسكرية في وقت أصبحت فيه الأجواء اللبنانية مسرحاً مفتوحاً للاغتيالات والعمليات الإسرائيلية اليومية التي تطال العمق، وسط عجز كامل عن الرد الموازي.

إقرأ أيضا: الدولة تمضي بحصر السلاح..وحزب الله يربط لبنان بمحور ايران

هذا الانفصال عن الواقع لا يطال الجانب العسكري فحسب، بل يمتد إلى تجاهل “الهزيمة الموصوفة” التي تجسدت في قبول اتفاقات وقف إطلاق نار بشروط لم تكن مقبولة حتى في أسوأ كوابيس الحزب قبل تشرين 2024.

إن محاولة تصوير “الانكسار” على أنه “تموضع تكتيكي” هي استخفاف بعقول بيئة دُمرت قراها وهُجّر أهلها، وتنتظر اليوم من “قائدها” اعترافاً بالواقع بدلاً من جرعات “تخدير” بانتصارات وهمية.

الهروب من “لبنانية” القرار

في خطابه، يبدو قاسم وكأنه يعيش في فضاء “الأمة” الافتراضي، متجاهلاً تماماً المزاج اللبناني العام الذي بات يلفظ منطق “حروب الإسناد” وربط مصير بيروت بخرائط طهران.

وبينما تذهب الدولة اللبنانية، عبر رئيس حكومتها والجيش، نحو حصرية السلاح وبسط السيادة، يصر قاسم على التمسك بسردية “المقاومة التي لا تنتهي وظيفتها”، وكأنه لا يرى أن لبنان الرسمي والشعبي قد حسم أمره بالعودة إلى كنف المؤسسات.

هذا الانفصال ليس مجرد عناد سياسي، بل هو خطر وجودي يضع طائفة بأكملها في مواجهة مع شركاء الوطن، ويحولها إلى “رهينة” لسردية لم تعد تنتج إلا الدمار والفقر.

الركون الإيراني و”يُتم” المحور

لعل النقطة الأكثر إثارة للشفقة في خطاب قاسم هي تجاهله للتغير الجذري في السلوك الإيراني. بينما كان الشيخ يتحدث بنبرة التصعيد، كانت طهران تفتح قنوات التفاوض في إسطنبول وعُمان، وتبحث عن “صفقة” تحمي نظامها من السقوط تحت ضربات ترامب أو انفجار الشارع الداخلي.

لقد ركنت إيران إلى واقعية سياسية فرضتها عليها الأزمات الاقتصادية والتهديدات العسكرية، تاركةً أذرعها في المنطقة تواجه مصيرها تحت عنوان “المصالح الوطنية الإيرانية أولاً”.

إن إصرار قاسم على ربط سلاحه بحماية إيران في وقت تبحث فيه الأخيرة عن مخرج دبلوماسي، يظهره كمن يقاتل في معركة لم يعد “صاحبها الأصلي” مهتماً بها.

إقرأ أيضا: نعيم قاسم يلمّع درّة التاج.. من مهسا أميني إلى سجون الحرية الإلهية

هذا “اليُتم السياسي” هو ما يتجاهله قاسم؛ فالمحور الذي كان يفاخر به بالسيطرة على أربع عواصم عربية، يتفكك اليوم تحت ضغط المصالح الكبرى، فيما يصر الحزب على البقاء في خندق “الخسارة المجانية”.

الاستيقاظ المتأخر

إن مشكلة الشيخ نعيم قاسم والطبقة التي يمثلها، هي الخوف من مواجهة الحقيقة: حقيقة أن السلاح لم يعد يحمي، وأن السردية الأيديولوجية سقطت أمام لقمة عيش المواطن، وأن “الظهير الإيراني” قد رتب أوراقه للرحيل نحو طاولة المفاوضات.

الاستمرار في العيش داخل “السرديات الخيالية” لن يبني قرية مهدمة، ولن يعيد مهجراً إلى أرضه، ولن يمنع طائرة مسيرة من تنفيذ غارتها.

الواقع اللبناني اليوم يطالب بالدولة، والواقع الإقليمي يطالب بالاستقرار، وما بينهما يقف خطاب قاسم كمومياء سياسية تنتمي لزمن مضى، ترفض الاعتراف بأن التاريخ قد تجاوزها، وأن الهزيمة لا تُعالج بالخطابات المكررة، بل بالعودة إلى حقيقة أن لبنان ليس ساحة، وأن أهله ليسوا حطباً في موقد طهران.

السابق
الذهب يكسر حاجز الـ 5000 دولار.. سخونة بحر العرب تُشعل أسواق المعادن النفيسة
التالي
الوزير بارو في بيروت لتثبيت دعم الجيش والقوى الأمنية.. ومصير «اليونيفيل» على الطاولة