لبنان والمنطقة أمام مصير تاريخي جديد: أي خيار نريد؟ (٢)

هشام حمدان

متابعة لمقالتنا تاريخ 23 كانون الثّاني الجاري، لم يكن لبنان في يوم أمام خيارات مكشوفة وعارية كما هي الحالة الآن. لا حاجة لابتداع الكلمات والأفكار. هناك خيارات واضحة أمامنا هي:

1-ألخيار اللّبناني الحالي: إستمرار تسليم السّلطة السّياسيّة بتقاسم السّيادة والإستسلام الإنهزامي إلى قوّة خارجيّة طائفيّة (إيران) بأدواتها الطّائفيّة المحلّيّة (جماعة المقاومة الإسلاميّة)، تحارب على حسابها ولخدمة أغراض لها البعد الطّائفي (ولاية الفقيه) الواضح والصّريح. دفع لبنان ثمنا غاليّا لهذا الخيار. يوجد إنقسام شعبي كبير بشأنه. يلاقي موقفا سلبيّا غربيّا وعربيّا، ويواجه موقفا أميركيّا ضاغطا يتطوّر تصاعديّا. 

2- ألخيار السّوري: هيمنة أكثريّة مذهبيّة (الأخوان المسلمين) على السّلطة. مذابح ونزاعات مع المكوّنات الأخرى في البلاد (ألدّروز ، ألأكراد، ألعلويّين والمسيحيين). إستباحة إسرائيليّة للأراضي والمواقع العسكريّة . هذا خيار يحمل عودة الى القرون الوسطى ولا سيّما العصر العثماني. رغم ذلك، يبدي الغرب دعما له.  فهذا النّظام يتحالف مع الغرب ويسير في خطى عمليّة السّلام مع إسرائيل.

3- الخيار العراقي: إنتظار ضربة أميركيّة، تفرض الحلول الدّاخليّة ومسيرة العلاقات الخارجيّة في البلاد. تبعد العراق عن الصّراع مع إسرائيل مع إستعداد كامل للذّهاب إلى السّلام في الظّروف المناسبة.

4-ألخيار الأردني: ينعم الأردن بالسّلام والإستقرار والطمأنينة رغم كلّ الظّروف والتّحديّات العميقة التي مرّ بها. يحظى الأردن بالدّعم الدّولي الأميركي وقد انخرط في عمليّة السّلام مع إسرائيل.

5-ألخيار الغزّاوي: ألمقاومة والتّدجّج بالسّلاح.  وقد رأينا نتائجه بوضوح حيث أنّ غزّة الآن منطقة مدمّرة وتحضع لقرار سلام أميركي. 

6-ألخيار المصري: دولة تنعم بالسّلام والطّمأنينة والإزدهار.  تنعم مصر بدعم أميركي كبير منذ قرار الرّئيس السّادات الشّجاع بإقامة السّلام مع إسرائيل.  

7-ألخيار الخليجي: ألحفاظ على علاقات تحالفيّة مع الغرب والذّهاب تدرجيّا الى السّلام مع إسرائيل.

8-ألخيار الإيراني: نظام طائفي يعود بالنّظام إلى قرون بعيدة تحت عنوان ولاية الفقيه. لديه كلّ معالم القوّة الإقتصاديّة والعلميّة والإمكانيّات المادّيّة والقدرات البشريّة. في خلاف جذري مع الغرب. يتوقّع أن يتعرض إلى مواجهة حاسمة مع الولايات المتّحدة.  

9-ألخيار السّوداني: نظام غير مستقر يعاني حربا أهليّة بتمويل وتشجيع ودعم قوى خارجية.

أيّ خيار نريد؟

قبل لبنان قبل أسابيع ألذّهاب إلى حوار مباشر مع إسرائيل تحت غطاء الميكانيزم. فضمّ مدنيّا إلى الوفد المفاوض. تبيّن أنّ انضمام المفاوض المدني ليس سوى مظهر دبلوماسي إذ ظلّ العامل الأمني طاغيّا على الموقف اللّبناني ويخضع لشروط جماعة المقاومة وخاصّة الرّئيس نبيه برّي. أعلن الرّئيس ترامب أنّ الميكانيزم قد انتهى. وقال: لا عودة إلى الهدنة والمطلوب إتّفاق أمني. شرحنا في المقالة السّابقة أنّ هذا الأمر يترك لبنان أمام خيارين: إمّا الذّهاب إلى السّلام طوعا أو القبول باتّفاق أمني على غرار 17 أيّار. أخذ برّي الآن، يطالب بأن يكون له مندوبا في الوفد المدني للمفاوضات.

لا أحد يجهل التّمايز بين مواقف برّي وحزب الله. برّي رفع دائما شعار المقاومة ببعد لبناني داخلي، وحزب الله رفعه ببعد ديني مرتبط بولاية الفقيه. برّي رأى في قوّة حزب الله وعلاقاته مع إيران، قوّة لسياساته الدّاخليّة ببعدها المتعلّق بتمكين التّمثيل الطّائفي السّياسي الشّيعي في لبنان بمواجهة التّمثيل السّنّي السّياسي. وحزب الله رأى في برّي قوّة تحمي دوره العسكري وتعزّز الحضور الإيراني على السّاحة اللّبنانيّة. تقاطع الجانبان في قيادة قاعدة واحدة تعزّزت وحدتها بتناغم دوريهما المشار إليهما. كلا الدّورين هو تمكين هذه القاعدة (ألمكوّن الشّيعي) في وجه المكوّن السّنّي. قبل الغرب هذا الواقع إضعافا للدّور السّنّي التّاريخي الذي أخذ لبنان منذ 1920 ( إعلان لبنان الكبير)  ومن ثمّ مع الرّئيس عبد النّاصر وحتّى الآن، في مواقف عدائيّة للغرب تحت مسمّى العروبة، وخاصّة بعد أن تبلورت بعنوان واحد هو العداء لإسرائيل دفاعا عن القضيّة الفلسطينيّة ألتي شكّلت زبدة الصّراع العربي الإسرائيلي. إنتهت حرب غزّة بهزيمة ساطعة لحماس. إنهزم حزب الله في لبنان. سقط نظام بشار الأسد. إنتهى الفكر  العروبي والفكر الدّيني: ألأخواني والشّيعي. بدأت ملامح نهاية النّظام الإيراني وبدأت تتبلور رويدا رويدا، ألفرقة، بين برّي وحزب الله.

يبدو بحسب المعلومات المتداولة أنّ السلطة السّياسيّة تميل إلى القبول بالدّعوة إلى مفاوضات سياسيّة مباشرة مع إسرائيل. وتميل بالتالي، إلى تعزيز الحضور المفاوض ألمدني. يتردّد كثيرا أنّ تسميّة المفاوضين ستخضع لآليّة مذهبيّة وفقا لرغبة برّي كي يكون له مندوبا يتابع من خلاله مجريات المفاوضات. يحاول برّي الآن أن يحمي الآليّة الطّائفيّة التي زرعها في النّظام السّياسي اللّبناني منذ أن أوقف تطبيق دستور الطّائف. برّي يخشى إستكمال قواعد الدّستور فتسقط كليّا ألثّلاثيّة (ألمارونيّة، ألسّنّيّة والشّيعيّة) التي سعى دائما،ـ إليها. 

إلى فخامة رئيس الجمهموريّة ورئيس الحكومة:

 ناشدناكما الإرتقاء إلى موقع المسؤوليّة المناطة بكما وفقا للدّستور. نرجوكما الخروج من اللّعبة السّياسيّة الدّاخليّة القاصرة. إعداد الوفود إلى مفاوضات دوليّة على أساس تمثيلها للمكوّنات المذهبيّة في البلاد، هرطقة دستوريّة غير مسبوقة. لا أحد من المكوّنات في البلاد يختزل الآخرين مهما كان عدده. ألعدديّة الطّائفيّة لا تصنع التّاريخ بل هي مشروع فتنة.

 نطالبكم باتّخاذ التّرتيبات المناسبة كأننا ذاهبون إلى السّلام مع إسرائيل. نحن نعيد بناء السّلام في لبنان.  لا تقيموا لبنة من مخلّفات الحرب الأهليّة.  كان لبنان دوما نموذجا للعقليّة الحضاريّة الغربيّة في هذه المنطقة. لا يكفي أن نعيش ثقافة الغرب في حرّيّاته الإجتماعيّة بلّ نريد ألتّفاعل مع الثّقافة السّياسيّة الغربيّة الحديثة. هذه المحطّة تهدف إلى بناء لبنان الغدّ . نريدكم الذّهاب إليها من منطلق الغدّ لا الأمس. نريدكم إطلاق أليّة المواطنة في تقرير مصيرنا. نريد هذه المحطة نموذجا للعمل كلبنانيّين فقط تجمعنا الهويّة الوطنيّة اللّبنانيّة وفقا للدّستور، لا الإنتماءات المذهبيّة.

 كلّنا للوطن. هذا هو نشيدنا الوطني.

السابق
الانتخابات اللبنانية بين الواقع والمرتجى: ديمقراطية تُعيد إنتاج الفشل
التالي
سقوط إيران وحلفائها: هل يترك فراغاً إقليمياً؟