عندما ترفض الفدراليةُ الاميركية الفدراليةَ في سوريا

غسان صليبي

عبّر المبعوث الأميركي توم برّاك، في نص مكتوب، عن رفضه للفدرالية في سوريا، على أثر هجوم الجيش السوري على مناطق الإدارة الذاتية للإكراد. وقد تكرر الموقف الأميركي في مناسبات سابقة اخرى، بعد أحداث السويداء وغيرها، مما يستدعي مراجعة مواقف اميركا ومواقفنا من الفدرالية على حد سواء:

١- لطالما أُتهمت اميركا بأن لديها مشروعا لتفتيت المشرق العربي وخاصة في العراق وسوريا ولبنان. ان الايديولوجيات المناهضة لاميركا بما فيها الممانعة أخيرا، كانت قائمة على مثل هذه الفرضية وغيرها، بحيث ادعت هذه الايديولوجيات في مواجهتها لاميركا، الحفاظ على وحدة البلدان والمنطقة، باسم وحدة الشعوب المشرقية او العربية او الإسلامية، مع تكرارها، للمفارقة، بأن هذه البلدان هي صنيعة الاستعمار.

 ٢- لا يبدو تقسيم الدول والمنطقة او فدرلتها- والفرق شاسع بين التقسيم والفدرالية- مشروعاً اميركياً ثابتاً، بل مجرد طرح يتغير بتغيّر الظروف والاغراض الاميركية. فكما قال برّاك في بيانه الأخير الذي رفض فيه الفدرالية، لم يعد للاكراد وظيفة أمنية في مواجهة داعش، وبالتالي لم تعد اميركا مؤيدة للإدارة الذاتية الكردية.

٣- رفض الإدارة الاميركية للفدرالية في سوريا جاء بالتوازي مع المطالبة بها من جماعات علوية ودرزية وكردية في سوريا، وتوسّع المطالبة بها سنياً في العراق، والمطالبة الضمنية بها مسيحياً في لبنان، وربما شيعياً بعد حين. مما يضفي على المطالبة بالفدرالية بعداً محلياً أكثر منه دولياً، يشمل كافة المكوّنات في المشرق العربي.

٤- انخراط جميع المكونات المذهبية والعرقية في المطالبة بالفدرالية، يجعل منها مطلباً سياسياً أكثر منه مطلباً مذهبياً او قومياً محدداً. مطلبٌ له علاقة بالموقف من السلطات المركزية في البلدان الثلاثة، التي غالباً ما تجنح نحو استبداد الحكم الأكثري، لأي مذهب انتمى.

٥- إعتماد اميركا للفدرالية في نظامها السياسي ورفضها لها اليوم في سوريا وربما غداً في لبنان، وعدم سعيها لتوسيعها أكثر في العراق، بل ترك النظام هناك هجيناً- بفعل التجاذب الايراني الاميركي-  بين شبه استقلال كردي وشبه فدرالية شيعية- سنية، رغم المطالبات بالفدرالية من كافة المكوّنات، يعطي الانطباع وكأنها لا تتمنى لشعوبنا ما تريده وتحرص عليه عند شعبها المتعدد، على المستوى السياسي والثقافي والديني، بل تتعامل مع شعوبنا بنظرة أمنية- اقتصادية بحتة، تجعلها تفضّل الأنظمة المركزية المتحالفة معها، او المزمع ان تتحالف معها على المدى القريب، في سياق مشروع متكامل للهيمنة على المنطقة العربية بشكل عام وعلى المشرق العربي بشكل خاص.

٦- الملاحظات الخمس مجتمعة تحتّم مراجعة نظرتنا للفدرالية كنظام سياسي في البلدان المعنية، والكفّ عن شيطنتها. فعندما يشيطنها الشيطان الأكبر عندنا ويطبقها عنده، كنظام ديمقراطي يحافظ على التعدد ويجعل من اميركا أقوى دولة على الاطلاق، سياسيا واقتصادياً وعسكرياً، تصبح شيطنة الفدرالية بمثابة إطلاق العنان لشياطين المذاهب والقوميات، في جهنّم الدول المركزية المستبدة.

٧- يبقى ان نتساءل عن مدى التوافق بين ما تريده اميركا وما تريده اسرائيل، وموقف الأخيرة من الفدرالية. الانطباع عند الرأي العام العربي، هو ان إسرائيل تريد تقسيم دول المشرق العربي، والفرضيات حول دوافعها تتعدد، من دينية الى اقتصادية الى أمنية. إن صح ذلك، يجب الّا يعدّل هذا من نظرتنا الى الفدرالية بل على العكس. فالفدرالية، في هذا السياق، هي الرد التوحيدي الأفضل لشعوبنا على طروحات التقسيم الذي يضع المناطق المقسّمة في نزاعات دائمة في ما بينها، على الحدود والثروات والنفوذ.

اقرا ايضا: لبنان أمام منعطف خطير: المفاوضات «فُرملت»..والقلق الأمني الإسرائيلي ينذر بحرب قادمة

السابق
حدث في 21 كانون الثاني 1985
التالي
ترنيمةُ النارِ والبصيرة: في ظلالِ الغيابِ الحاضر