في صيدا، حيثُ يعقدُ البحرُ قرانَهُ الأزليَّ على رمالِ الثبات، وحيثُ لا يزالُ عبقُ “معروف” يفوحُ من حنايا الدروب، انبثقتْ قامةُ مصطفى سعد؛ لا لتكونَ طيفاً عابراً، بل لتكونَ صيرورةً من نورٍ ونار. إنَّ الحديثَ عنه ليسَ استعادةً لحدثٍ غيّبهُ المدى، بل هو وقفةٌ أمامَ نواميسِ الكرامةِ التي تجسدتْ في رَجلٍ كانتْ “الناصريةُ” لديهِ نبضاً يسكنُ المسام، وفلسفةً وجوديةً تعيدُ صياغةَ الإنسانِ في أتونِ النضال.

ليلةُ الغدرِ.. انكسارُ الضوءِ وانبعاثُ الرؤية
تلكَ الليلةُ الليلاء، ليلةُ كانونِ التي ارتجَّ لها كبرياءُ المدينة، لم تكنْ مجردَ دويٍّ لبارودٍ حاقد، بل كانتْ محاولةً يائسةً لاغتيالِ كوامنِ الأمةِ في قلبِ “أبي معروف”. هناك، وسطَ الدخانِ المتصاعدِ الذي اختلطَ بدموعِ الياسمينِ وأشلاءِ “ناتاشا” البريئة، انطفأتْ عيناهُ لتشتعلَ في روحهِ ساعةُ الإشراق. لقد فَقَدَ القائدُ نورَ عينيهِ ليمنحَنا بصيرةً لا تخبو؛ عادَ مدمىً، لا يشكو جرحاً شخصياً، بل ينضحُ وجعاً قومياً، فكانَ جرحُهُ مُستنهضاً للهِمم، وصمتهُ في غمارِ الألمِ بلاغةً فاقتْ كلَّ بيان.
فلسفةُ الفقد: حينَ تُبصرُ الروحُ ما عجزتْ عنه العين
إنَّ علاقةَ “البصيرةِ” بـ “فقدِ البصرِ” في فكرِ مصطفى سعد تتجاوزُ حدودَ التعويضِ الحسيِّ إلى مرتبةِ الكشفِ الفلسفيِّ؛ فالمناضلُ حينَ تُحجبُ عنه مرئياتُ المادة، تتوحدُ حواسهُ في “رؤيةٍ” واحدةٍ لا تزيغ: رؤيةِ الحقِّ الصرف. لقد صارَ الظلامُ المفروضُ قسراً مِجهراً يرى بهِ كوامنَ الضعفِ في الواقعِ ليُقوّمها، وسُنناً للنورِ في وجدانِ الشعبِ ليُوقدها. فالعينُ قد تخدعُها بهرجةُ المواقف، أما البصيرةُ الناصريّةُ التي صقلتها المحنة، فقد جعلتْ منهُ رادراً قومياً يقرأُ تحولاتِ الصراعِ قبلَ حدوثِها. إنَّ فَقْدَ البصرِ هنا لم يكنْ عجزاً، بل كانَ انتحاءً نحو “البصيرةِ الجوهرية” التي تدركُ أنَّ الوطنَ فكرةٌ تُعاش، لا جغرافيا تُرى فحسب.
الروحُ الناصرية: أفقُ المؤسساتِ ومدارُ الوحدة
لم ينحبسْ نضالُهُ في قوالبَ ضيقة، بل فجّرَ الروحَ الناصرية في عروقِ المؤسسات، فجعلَ من العملِ الاجتماعيِّ خندقاً متقدماً لا يقلُّ قداسةً عن جبهاتِ القتال. رعى الفقراءَ بقلبٍ يزاوجُ بينَ رقةِ الأبِ وصلابةِ الثائر، مؤمناً بأنَّ الأصالةَ والعبور هما وجهانِ لعملةٍ واحدة: الوفاءُ للجذورِ والانطلاقُ نحو فجرِ العدالة. وفي غمرةِ التشتت، ظلَّتْ بوصلتُهُ هي العروبةَ الشاملة، والقدسُ هي الصلاةُ التي لا تقبلُ التأويل. كانَ يرى في الوحدةِ القوميةِ سُنّةً إلهيةً وضرورةً بشرية، فخاضَ غمارَ السياسةِ لا طالباً لـ “وجاهةٍ”، بل حارساً لـ نواميسِ الحقِ الذي لا يلين.
تجذّرُ النهجِ وانبعاثُ الشعلة
إنَّ الغيابَ الجسديَّ لمصطفى سعد لم يكنْ إلا إيذاناً بحلولِ طيفِهِ في كلِّ ذرةِ ترابٍ صيداوية، وفي كلِّ قبضةٍ ترتفعُ ضدَّ الفساد. فالمسيرةُ التي قبضَ على جمرِها الدكتور أسامة سعد ليستْ تكراراً للماضي، بل هي تطوّرٌ حيٌّ لذاتِ الثوابتِ الوطنيةِ والقومية، التي تجعلُ من النهجِ الوطنيِّ الناصريِّ كائناً عابراً للزمن، يتجددُ بـ صيرورةِ الوفاء، ويستلهمُ من جراحِ “المصطفى” قوةَ العبورِ نحو لبنانَ المقاومِ والوطنِ العربيِّ المتحد. فالحكايةُ لم تنتهِ عندَ حدودِ الرثاء، بل انطلقتْ نحو أفقِ الفعلِ الذي يرى في التضحيةِ مدماكاً وحيداً للقيامةِ والحرية.

