في ذلك اليوم كنت في جريدة السفير أتحدث مع الصحافي المرحوم غسان الحبال حول الخطوات التي قد يلجأ اليها الاحتلال الاسرائيلي بعد ان بات انسحابه من مدينة صيدا محسوماً. رن هاتف المكتب، كان مراسل السفير في صيدا آنذاك محمد صالح يتصل بالحبال لوضعه في آخر تطورات الوضع في المدينة، وفيما كانا يناقشان المعلومات المتوفرة، توتر صالح وقال: “اسمع انفجاراً كبيراً في المدينة”، يغيب لحظات ويضيف:” يبدو أنه انفجار قرب مدرسة الراهبات، سأعرف ماذا حصل وأعود واضعك في الجو”.
علقّتُ بالقول: ” ربما هي عملية فدائية تستهدف الموقع الاسرائيلي القريب من مدرسة الراهبات”. تركت جريدة السفير متوجهاً الى المنزل، وحين وصولي ابلغتني زوجتي بضرورة الاتصال بجريدة السفير للضرورة القصوى، اتصلت بغسان الحبال لأعرف ماذا حصل، اجابني بعصبية: “وفيق احضر حالاً وأخبرك بما حصل”.
سارعت بالتوجه الى جريدة السفير، وجدت الحبال والدموع تنهمر من عينيه، اخبرني ان الانفجار قد استهدف منزل مصطفى معروف سعد وأن إصابته خطرة وجرى نقله الى مستشفى كفرفالوس، ومنها سينقل الى الجامعة الأميركية، وأن ابنته ناتاشا قد استشهدت وأصيب عدد من افراد عائلته باصابات بليغة.
في تلك اللحظات أحسست وكان الغرفة تدور بي لم استوعب ما قاله صديقي، الدموع انهمرت من عيني، وبت اسأله أسئلة غير مترابطة ولا ادري مضمونها، وهو يقول لي: “تماسك يا وفيق”.
كيف اتماسك ومن أصيب لم يكن زعيماً وطنياً مقاوماً فحسب، انه رفيق الطفولة، جلست بجانب احد المكاتب، وعادت بي الذاكرة الى السنوات التي قضيناها معاً في المرحلة الابتدائية في مدرسة المقاصد، كنا على مقاعد دراسية ملاصقة، ثم انتقلنا الى ثانوية الزعتري وبقينا معا لمدة عامين.
اغمضت عيني لاستعيد ذاكرتي كيف كنا نلعب في منطقة سينيق تحت منزلهم ونركض بين الاشجار، خلال لحظات استعدت عشرات المواقف والمحادثات والتعليقات والمزاح.
بعد ذلك تم نقل مصطفى سعد الى الولايات المتحدة الأمريكية للعلاج، وانسحب جيش الاحتلال في غيابه، وهو لم يغب لحظات عن مقاومة المحتل.
بعد أشهر قضاها في العلاج عاد الى الوطن، كنت على متن سيارة دخلت الى باحة المطار لاستقباله، الى جانب سيارة اخرى، نزل منها أكرم شهيب وتوجه الى داخل الطائرة لاصطحابه الى السيارة، نزلا معا على سلم الطائرة، نظرت اليه من داخل السيارة، اغمضت عيني كي لا أراه كما لم اتعود على رؤيته.
توجهنا الى منزل شقيقته وفاء، حيث كان هناك كثير من الأصدقاء بانتظاره، سارع الجميع الى مصافحته وتهنئته بالسلامة، لكني بقيت مبتعداً جلست في احدى زوايا القاعة انظر اليه وارتعش وصوتي متهدج.
لم أرغب بالاقتراب منه ولا مصافحته او الحديث معه، لاني كنت متأكد من انهياري في تلك اللحظات.
وعند مغادرتي صافحته وقلت له بصوت ضعيف: “حمد الله على سلامتك”
اجاب بصوت عالٍ :” انت هنا ولم اسمع صوتك”، لم أستطع الاجابة.
هذا ما حدث معي في ٢١ كانون الثاني ١٩٨٥، وهو ما جرى لرفيق الطفولة مصطفى معروف سعد في ذلك اليوم.
اقرا ايضا: لبنان أمام منعطف خطير: المفاوضات «فُرملت»..والقلق الأمني الإسرائيلي ينذر بحرب قادمة

