شمس بعلبك على MTV : من شاشةٍ مُقصاة إلى يافطاتٍ تُرفَع في قلب المدينة

فرقة شمس بعلبك

ليست بعض اللحظات مجرّد حدثٍ عابر في روزنامة البثّ، بل هي شقٌّ في الزمن، يتّسع فجأة، ويكشف ما كان مخفيًّا، أو مؤجَّلًا، أو مقموعًا. لحظات لا تُقاس بثواني ظهورها على الشاشة، بل بعمق ارتدادها في الوعي، وبقدرتها على إعادة ترتيب صورةٍ كاملة في الذاكرة الجماعية. وما جرى مع بعلبك على شاشة MTV ينتمي إلى هذا النوع النادر من اللحظات.

كسر الصورة الأحادية

لم يكن المشهد دبكة، ولا فرقة، ولا حلقة تلفزيونية… كان استعادة. استعادة مدينة لحقّها في أن تُرى خارج القوالب الجاهزة، وخارج اللغة الواحدة التي حُوصرت بها طويلًا. كان كسرًا للصورة الأحادية، وإعادة تقديم لبعلبك كما هي، مدينة حيّة، معقّدة، متعدّدة، لا تختصرها السياسة ولا تبتلعها العناوين السطحية.

في مدينةٍ مُنعت فيها MTV يومًا من البثّ، لا بقرارٍ تقني بل بحكم الاصطفاف والانقسام، ظهر مشهد يكاد يشبه المفارقة التاريخية: يافطات تُعلَّق في أحياء بعلبك، في الشراونة وحيّ الصلح وأحياء متعدّدة ومتنوّعة، تحمل اسم فرقة شمس بعلبك إلى جانب لوغو MTV. مشهد بسيط في شكله، لكنّه بالغ الثقل في رمزيته.

من المنع إلى العلنية

من المنع إلى العلنية، من الإقصاء إلى الحضور، من شاشةٍ مغلقة إلى اسمٍ مرفوع في قلب المدينة، بلا ضجيج، بلا تحدٍّ مباشر، بل بثقة هادئة تشبه من يعرف موقعه في التاريخ.

لسنوات طويلة، دُفعت بعلبك إلى هامش الصورة، لم تُعرض إلا من زاوية واحدة، ولم يُسمح لها إلا بخطابٍ واحد، كأنّها مدينة بلا ذاكرة، أو كأنّ تاريخها الثقافي والتراثي مجرّد تفصيل غير مرغوب فيه. تمّ اختزالها، وتهميشها، وتغليفها بصورة جاهزة، حتى كادت تُصدّق عن نفسها ما قيل عنها.

مقاربة من الداخل لا من فوق

لكن مقاربة MTV جاءت من مكان آخر. لم تدخل بعلبك لتمنحها تعريفًا، ولم تتعامل معها كمساحة تحتاج إلى «تصحيح صورة»، بل تركتها تتكلّم بلغتها، وتظهر بإيقاعها، وتقدّم نفسها من داخلها. من خلال برنامج «يلا نِدبك»، لم تُقدَّم بعلبك كحالة استثنائية، بل كمدينة طبيعية في حقّها بالفرح، وبالفن، وبالذاكرة.

لم يكن الضوء مسلّطًا على فرقة واحدة بقدر ما كان مسلّطًا على مشهد كامل، كانت فرقة شمس بعلبك إحدى تجلّياته الصادقة. فرقة خرجت من حيّ الصلح، لا كحادثة عابرة، بل كامتدادٍ عضويّ لتاريخ طويل من الدبكة الشعبية في بعلبك، تاريخ كتبه رجال رحلوا، لكنّهم لم يغادروا المعنى.

أسماء مثل أبو يحيى صلح، أبو ماجد صلح، أبو يوسف مارون صلح، أبو مصطفى، ليست محض ذكريات تُستعاد بحنين، بل ركائز تأسيسية لذاكرة جماعية حيّة. هؤلاء لم يرقصوا فقط، بل ثبّتوا هوية، أسّسوا، وحموا، وورّثوا تراثًا، ثم انسحبوا بصمت، تاركين الأمانة في أيدٍ تعرف ثقلها.

جيل يحمل الأمانة

واليوم، يأتي هؤلاء الشباب ليُكملوا الطريق، لا بوصفهم ظلًّا للماضي، ولا نسخة عنه، بل كامتدادٍ واعٍ له. لا يقلّدون، ولا يزيّفون، ولا يتاجرون بالتراث، بل يحملونه بثقة، ويقدّمونه بلغة هذا الزمن. شباب يدركون أنّ الدبكة ليست إيقاع قدم فقط، بل إعلان انتماء، وتأكيد حضور، وفعل مقاومة ثقافية في وجه النسيان.

وهنا، تحديدًا، تتجلّى قوّة الصورة التي عبرت شاشة MTV. جيل جديد يُمسك الشعلة من دون استعراض، ويعيد بعلبك إلى مكانها الطبيعي، لا كعنوان جدلي، بل كمدينة لها حقّها في الضوء.

أن تصل هذه الصورة إلى البيوت اللبنانية، وأن تُستقبل بتفاعل واسع، وأن تنعكس في الشارع بلافتات مرفوعة في مدينة كانت يومًا مغلقة أمام هذه الشاشة، فذلك ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشّر عميق على أنّ المقاربة كانت صائبة. حين يشعر الناس أنّ الإعلام يراهم، لا يستخدمهم، ولا يختزلهم، يصبح حضوره بينهم أمرًا طبيعيًا، لا يحتاج إلى تبرير.

MTV لم تُجمّل بعلبك، ولم تُلمّعها، ولم تُقحمها في بطولة مصطنعة، بل قدّمتها كما هي: مدينة مُتعبة، نعم، مثقلة بالتجارب والخذلان، لكنّها لم تفقد روحها. مدينة فيها وجع متراكم، لكن فيها أيضًا فرح مؤجَّل، ينتظر من يملك الجرأة على رؤيته.

مشهد جديد في بعلبك

اليوم، بين برنامجٍ فنّي، وشباب يرقصون بصدق، ويافطات معلّقة في أحياء الشراونة، يتشكّل مشهد جديد لبعلبك. مشهد يقول إنّ هذه المدينة ليست خارج الخريطة، وإنّ تراثها لم يُهزم، وإنّ من رحلوا سلّموا الأمانة كاملة، وإنّ من بقوا… يعرفون تمامًا كيف يحملونها، وكيف يُكمِلون.

هذا ليس نصًّا عن فرقة، ولا عن محطة تلفزيونية. هذا نصّ عن مدينة استعادت صورتها من بين الركام، وعن شاشة قرّرت أن تنظر إليها لا كما أُريد لها أن تُرى، بل كما تستحق.

السابق
عون من بعبدا: وحدة الموقف العربي ضرورة… والأردن شريك ثابت في دعم لبنان
التالي
أليكس راوول يعيد إرث عبد الناصر السياسي إلى “المحاكمة”