في بعلبك، لا تُؤدّى الدبكة كفعل ترفيهي عابر، بل تُمارَس كطقس انتماء، كحركة تحمل في إيقاعها تاريخ مدينة، وفي ضربات أقدامها ذاكرة رجال صاغوا الرجولة على إيقاع الطبل والمنجيرة.
هنا، في حيّ الصلح تحديدًا، وُلدت الدبكة البعلبكية لا كفولكلور جامد، بل كفن حيّ، متحرّك، متجدّد، يشتبك مع الجسد والروح معًا، ويعبّر عن علاقة الإنسان بأرضه كما لو أنّ الأرض نفسها ترقص تحته.
أبو يحيى صلح: الجسد الذي أعلن الهوية
من هذا الحي خرج أبو يحيى صلح، أحد أعمدة الدبكة البعلبكية، لا بصفته راقصًا فحسب، بل كقائد صفّ، وميزان إيقاع، ومرجع غير مكتوب لخطوة لا تُعلَّم بل تُورَّث.
كانت دبكته مشهدًا مكتمل العناصر، جسدٌ مشدود كوتر، قدمٌ تضرب الأرض لا لتُثير الغبار بل لتُثبّت الجذور، وكتفٌ يهتز كجبل يعرف متى يتحرّك ومتى يسكن.
لم يكن أبو يحيى يعرض مهارة، بل يعلن هوية، ويمنح الدبكة بعدها الذكوري النبيل بوصفها تعبيرًا عن الجماعة، عن الانسجام، وعن القوة التي لا تحتاج إلى استعراض.

مشايخ الخطوة: حين يكون الوقار جزءًا من الحماسة
إلى جانبه، ومعه، وقف رجال آخرون من مشايخ الدبكة، أبو ماجد، أبو مصطفى شلحة، أبو يوسف مارون صلح، وغيرهم ممن لم يتعاملوا مع الدبكة كحركات سريعة أو قفزات هوائية، بل كنسق جمالي منضبط، يُحافظ على وقاره حتى في ذروة الحماسة.
هؤلاء أصرّوا أن تبقى الدبكة البعلبكية فنًا شعبيًا صافيًا، لا يُفرَّغ من معناه ولا يُقصَف لصالح الإبهار، لأنهم أدركوا أن الفقدان الحقيقي يبدأ حين يتحوّل التراث إلى عرض بلا روح.
أبو دوخي: حين يصبح الجسد ذاكرة حيّة
من هذه المدرسة خرج عبد الكريم صلح، أبو دوخي، الذي لم يحمل التراث كذاكرة فقط، بل عاشه حتى الثمالة.
في رقصه، لا ترى انتقالًا ميكانيكيًا بين دبكة وأخرى، بل انسيابًا يشبه جريان الماء، كأن الجسد يعرف الطريق وحده.
حين يحرّك كتفيه وصدره، تشعر أن الجبل نفسه يشارك في الحركة، وحين تضرب قدمه الأرض، لا تسمع صوتًا فقط، بل تحسّ رجْع تاريخ طويل من الأعراس، والساحات، والليالي التي لم تكن تكتمل دون دبكة.
أبو دوخي أعطى للحركة معناها، ولخبطة الرجل رونقها، وجعل من الجسد نصًا مفتوحًا يقرأه الجمهور بلا شرح.
شمس بعلبك: الاستمرارية الواعية لا القطيعة
هذه السلسلة لم تنقطع، فالدبكة البعلبكية، التي نبتت في حيّ الصلح، لم تبقَ حبيسة الذاكرة، بل وجدت امتدادها الطبيعي في جيل شاب حمل الاسم والعبء معًا.
فرقة شمس بعلبك، التي ظهرت على مسرح MTV في برنامج (يلا ندبك)، ليست قطيعة مع الماضي، بل استمرارية واعية له.
شبابها لم يصعدوا إلى المسرح ليقلّدوا، بل ليُعيدوا تقديم المدرسة البعلبكية بلغتهم الجسدية المعاصرة، مع الحفاظ الصارم على روح الخطوة، وعلى هيبة الصف، وعلى ذلك التوازن الدقيق بين الانضباط والحماسة.
بين الأثر والجرأة: التراث حين يتحرّك
في أدائهم، نرى أثر المشايخ واضحًا، في ضربات الأرجل اليسرى المتناغمة، في التمايل الجماعي الذي يسبق الانفجار الإيقاعي، وفي العلاقة العضوية بين الراقص واللحن.
لكننا نرى أيضًا شجاعة جيل يعرف أن التراث لا يعيش إلا إذا تحرّك، ولا يبقى إلا إذا وُضع تحت الضوء.
هؤلاء الشباب لا يطلبون تشجيعًا بقدر ما يقدّمون برهانًا، أن الدبكة البعلبكية قادرة على الوقوف على أي مسرح، دون أن تفقد أصلها، ودون أن تتنازل عن عمقها.
الدبكة كحدث ثقافي لا كمجرد منافسة
إن ما يحدث اليوم على مسرح MTV ليس مجرد منافسة فنية، بل لحظة ثقافية تستحق القراءة بعمق.
فحين تقف بعلبك بدبكتها، بتاريخها، وبأسمائها التي صاغت هذا الفن حجرًا فوق حجر، فإنها لا تمثّل مدينة واحدة، بل تمثّل نموذجًا لكيف يمكن للتراث أن يكون حيًّا، معاصرًا، وجديرًا بالاحتفاء العالمي.
من حيّ الصلح، مرورًا بأبو يحيى وأبو دوخي، وصولًا إلى شمس بعلبك، تُثبت الدبكة البعلبكية أنها ليست رقصة تُؤدّى، بل هوية تُعاش، وأن الشمس، حين تشرق من بعلبك، تعرف جيدًا طريقها إلى المسرح.

