من ذاكرة القرية..المستودعَ الأول للمعنى

حكايات من الضيعة

في الوقتِ الذي تضيقُ فيهِ المدائنُ بضجيجِ الحداثةِ الجوفاء، وتغتربُ الروحُ في غابةٍ من الإسمنتِ البارد، تظلُّ «القريةُ» هي المستودعَ الأمينَ لسرِّ الوجودِ الأوّل. هناك، حيثُ الفجرُ لا يزالُ يحملُ رائحةَ الزعترِ البكر، وحيثُ الحجرُ الصَّوانيُّ يحفظُ حكايا الأجدادِ بوفاءٍ لا يشيخ؛ نجدُ ميزانًا أخلاقيًّا لم تُلوِّثهُ أهواءُ المنفعةِ ولا غبارُ الفساد.

إنَّ العودةَ إلى ذاكرةِ الريفِ ليست نكوصًا نحو الماضي، بل هي ارتماءٌ في حضنِ الحقيقة؛ ففي بساطةِ الفلّاحِ وهو يزرعُ أثلامَهُ بيقينِ القانع، وفي شموخِ السِّنديانةِ التي لا تحني هامَتَها للريح، تتجلّى هندسةٌ كبرى تتجاوزُ المادّةَ لتبنيَ في النفوسِ حصونًا من العزّةِ والإنصاف. ومن وحيِ هذا النقاء، ومن صميمِ ذيّاكَ «المنبتِ» الذي يأبى الفِصام، نغرفُ رؤيتَنا لاستعادةِ توازنِ الإنسانِ في زمانٍ أضاعَ بوصلتَه، ونبني مِعمارَنا القيميَّ على صخرةِ «الأصالةِ» التي لا تلين.

حين كانت الأرضُ تقرأُ السّماء

كانتِ القريةُ في مطلعِ عهدِنا بها كتابًا مفتوحًا تقرأُ فيهِ الأرضُ سيرةَ السَّماءِ؛ فالسواقي التي تشقُّ طريقَها بين الصخورِ لم تكنْ تجري عبثًا، بل كانتْ تعلِّمنا أنَّ الانسيابَ هو الذي يهزمُ القسوة، وأنَّ العمارةَ الفطريّةَ التي شيّدها الأجدادُ بالحجرِ الصَّوانيِّ لم تكنْ مجرّدَ مأوى، بل كانت «بيانًا أخلاقيًّا» يحترمُ تضاريسَ الأرضِ وكبرياءَ الطبيعة.

في تلك الروابي، لم يكنِ الإنسانُ غريبًا عن فضاءِ مكانهِ؛ بل كان يستقي هندستَهُ الداخليّةَ من سُننِ الوجود؛ فالبيتُ الذي لا يرتفعُ فوقَ جارهِ ليحجبَ عنه الضياء، كان يرسِّخُ قيمَ «التواضعِ السيادي»، والينابيعُ التي تفيضُ للجميعِ دونَ تمييزٍ كانت تؤسِّسُ لمفهومِ «المشاعِ المقدّس».

كانتِ الضيعةُ محرابًا للفطرةِ السويّة، لا تطيقُ زيفًا ولا تقبلُ ضيمًا؛ تضجُّ هولًا أمامَ كلِّ «خروجٍ معماريٍّ» أو قيميٍّ يتجاوزُ الحدودَ الفطريّة. نذكرُ كيف كان المجتمعُ ينفرُ من دَنَسِ المظالمِ كما ينفرُ من الوباءِ؛ فسيرةُ الغدرِ بحقوقِ الغائبين، أو مكرِ المستولين على حصّةِ اليتيم، كانت تُوسَمُ في ذاكرةِ المكانِ بوشمٍ لا يمحوهُ الزمن.

وكان صاحبُها يتحوّلُ إلى مثلٍ ممقوتٍ يلاحقُ نسلَه، لا كفعلِ تشهير، بل كآليّةِ «صيانةٍ قيميّة» تمنعُ تكرارَ الانحراف. كانتِ العدالةُ التاريخيّةُ يومئذٍ تنبثقُ من روحِ المكانِ قبلَ رداءِ القاضي، حيثُ كان الكبارُ يقفون سدًّا منيعًا أمام استعبادِ حاجةِ الناس أو قهرِ كرامتهم، وتتحوّلُ الأفعالُ النكراءُ إلى عبرةٍ تُكرِّسُ استهجانَ المجتمع لكلِّ نزقٍ فرديٍّ يتطاولُ على الثوابتِ الأخلاقيّة.

فصامُ المنبت وقبحُ الحداثةِ العمياء

أمّا اليوم، فإنَّ المأساةَ لم تعدْ حكايةً عابرة، بل استحالت «فسادًا ثقافيًّا» تجسَّدَ في فصامِ المنبتِ وغربةِ المعنى. لقد انقطعَ الوصلُ السرّيُّ بينَ الإنسانِ وترابِه، فاستُبدلتِ العمارةُ الصادقةُ بـ «كتلٍ إسمنتيّةٍ صمّاء» تعكسُ توحُّشَ المنفعةِ العارية.

هذا القبحُ المعماريُّ ليس إلا المرآةَ المُقعَّرةَ لانقلابِ القيم؛ حيثُ صارَ قانونُ القوّةِ هو المعيار، وغدا السطوُ على مقدّراتِ الشعوبِ وإبادةُ إرادتها ممارسةً مُشرعنةً تُغلَّفُ بشعاراتِ الواقعيّةِ المزيّفة. وما نسمّيهِ اليوم «شطارةً» في السلبطةِ أو ذكاءً في التملّق، ليسَ في حقيقتِه إلا «اغترابًا وجوديًّا» يشبهُ اقتلاعَ زيتونةٍ من مهدِها ورميَها في عراءِ الصقيعِ البارد.

إنَّ العمارةَ في جوهرِها هي حصنُ الوعيِ الأخير؛ ومتى ما فسدت هندسةُ المكان، فسدت هندسةُ النفوس. فالسلطةُ التي تتباهى ببطشِها، والجماعاتُ التي تنزوي في خنادقِ المصلحةِ الضيّقة، كلاهما يعيشُ فصامًا عن ماهيّتِه الأولى، غافلينَ عن أنَّ «الأنا» لا تكتملُ إلا حينَ تكونُ جسرًا يعبرُ عليهِ الآخرونَ نحو الطمأنينة.

الأصالةُ طريقُ العبور إلى التوازن

إنَّ «العبور» الذي ننشدهُ اليوم، والمستلهمَ من طُهرِ قُرانا وعمقِ أصالتنا، هو نداءُ استعادةِ التناغمِ الفطريّ؛ فكما تخضعُ الطبيعةُ لنواميسِ الفصولِ دونَ طغيان، يجبُ على «العمارةِ الإنسانيّة» أن تخضعَ لناموسِ القيمِ الخالدة.

إنَّ الصيانةَ الفكريّةَ التي نحتاجها تقتضي الإيمانَ بأنَّ «الأصالةَ» هي المحرّكُ الوحيدُ للعبورِ نحو أفقٍ يتساوى فيهِ الحقُّ مع الواجب. فالعمارةُ الصادقةُ هي التي تُبنى لتكونَ درعًا ضدَّ الزيفِ والتحلّل، والسياسةُ العادلةُ هي التي ترفضُ أن تكونَ القوّةُ سيّدةً على الحق.

إنَّ استحضارَ روحِ الأصالةِ يفرضُ علينا إدراكَ أنَّ كرامةَ الفردِ هي خيطٌ في نسيجِ كرامةِ الجماعة، وأنَّ الاستقرارَ الحقيقيَّ لا يُبنى بسلطةِ القوّةِ الغاشمةِ التي تزولُ بزوالِ أسبابِها، بل بقوّةِ الانتماءِ إلى قيمِ الحقِّ والخيرِ والجمال؛ تلك القيمِ الركينةِ التي تظلُّ شامخةً في وجدانِنا، تمامًا كما تظلُّ جبالُ بلادِنا صامدةً في وجهِ الأعاصيرِ والدهور.

السابق
لا قيامة للدولة مع «ثنائية السلاح».. علي الأمين: إيران تتشبث بالورقة اللبنانية لتعويض تراجعها الإقليمي وانكشافها الداخلي
التالي
سفارة فلسطين تدعم موقف الأونروا في لبنان