إيران على صفيح ساخن: قراءة في مسار الانتفاضة والسيناريوهات المقبلة وتداعياتها على النظام

Iran Protests Jan 2026
الانتفاضة الحالية – مهما كان مسارها التكتيكي في الأيام والأسابيع المقبلة – تركت أثراً لا رجعة فيه: كشفت عمق الهوّة بين الشعب ونظام ولاية الفقيه، وأظهرت هشاشة ادّعاءات «الاستقرار»، ودفعت ميزان القوى خطوة إضافية باتجاه شعب يريد إسقاط الدكتاتورية وبناء جمهورية حرة وديمقراطية على أنقاضها.

ما يجري في إيران لم يعد سلسلة احتجاجات متفرقة، بل مسار انتفاضي متصل بدأ من إضراب البازار في طهران وتحوّل خلال أيام إلى مواجهة مفتوحة بين شارعٍ يغلي وغرفةِ قيادة مرتبكة في قم وطهران. من اليوم الأول، حين أغلقت أسواق الإلكترونيات والذهب أبوابها احتجاجاً على انهيار العملة، حتى اليوم السابع الذي شهد سقوط شهداء في عدة محافظات وامتداد التظاهرات إلى عشرات المدن، يمكن رسم صورة أوضح لمسار الحركة الشعبية واحتمالاتها وتأثيرها المباشر على نظام ولاية الفقيه.

أولاً: التقييم العام لمسار التظاهرات والانتفاضة

خلال أسبوع واحد ظهرت أربع سمات أساسية:

1. سرعة الانتشار واتساع الجغرافيا

التحرّك لم يبقَ محصوراً في بازار طهران. خلال أيام، انضمّت مدن كبيرة ومتوسطة وصغيرة: من العاصمة إلى أصفهان وكرمانشاه وشيراز ومشهد، ثم إلى مدن في لرستان وخوزستان وسيستان وبلوشستان وإيلام وغيرها. هذا الاتساع السريع يكشف أن المجتمع في حالة «قابلية انفجار»؛ أي إنّ أي شرارة موضعية تتحوّل بسرعة إلى موجة وطنية.

2. تلاقي شرائح اجتماعية مختلفة

المشهد لا يقتصر على «شباب الأحياء الفقيرة» أو على الطلاب وحدهم؛ بل هو تداخل بين:

•             البازاريين وأصحاب المحال في المراكز التجارية والأسواق التقليدية،

•             الطلاب في الجامعات الكبرى الذين خرجوا بشعارات سياسية صريحة،

•             العمال والموظفين في قطاعات كانت أصلاً في حالة إضراب واعتصام،

•             سكان المدن المهمّشة الذين دفعوا الثمن الأكبر من البطالة والفقر والقمع.

هذا التلاقي بين السوق والجامعة والطبقات الشعبية يعطي الانتفاضة عمقاً اجتماعياً لا تستطيع الدعاية الرسمية اختزاله في «شغب محدود».

3. راديكالية الشعارات واستهداف رأس النظام

خلال وقت قصير انتقلت الهتافات من دائرة المعيشة والغلاء إلى شعارات مباشرة ضد خامنئي و«نظام ولاية الفقيه». شعارات من قبيل «الموت للدكتاتور»، «الموت لخامنئي»، و«الموت للظالم، سواء كان الشاه أو المرشد» تعبّر عن وعيٍ متراكم يرفض العودة إلى أي شكل من أشكال الدكتاتورية السابقة أو الحالية، ويربط الأزمة الاقتصادية والسياسية بوجود هذا النظام نفسه.

4. تحوّل الاحتجاج إلى «انتفاضة» مستمرة

استمرار التظاهر والاشتباكات والاعتقالات من يوم إلى آخر في مدن متعددة، وسقوط شهداء في أماكن مختلفة، يعني أن المشهد تجاوز إطار «يوم غضب» عابر. نحن أمام حالة انتفاضية، قد ترتفع وتيرتها أو تنخفض لكنها لم تعد حدثاً ظرفياً.

ثانياً: الاحتمالات المفترضة (السيناريوهات المحتملة)

يمكن تخيّل ثلاثة مسارات رئيسية قد تتداخل زمنياً:

1. تراجع نسبي مع بقاء المجتمع في حالة غليان

في هذا المسار يلجأ النظام إلى مزيج من القمع الدموي، والاعتقالات، وقطع الإنترنت، مع بعض الوعود التكتيكية أو المسكّنات الاقتصادية، فيتمّ خفض منسوب الاحتجاج في الشارع دون معالجة الجذر. في هذه الحالة، تهدأ الساحات مؤقتاً لكن «حالة الانتفاضة» تبقى كامنة وتنفجر مع أول صدمة جديدة في الأسعار أو مع حادثة قمعية كبيرة، كما حدث في دورات سابقة.

2. تعميق الإضرابات وتوسّع العصيان الاقتصادي

إذا تحوّل إضراب البازار الحالي إلى نموذج يُحتذى به في قطاعات أخرى – مثل النفط والبتروكيماويات والنقل والصناعة والخدمات – يصبح النظام أمام شلل تدريجي في مفاصله الاقتصادية. الإضراب المنظَّم في هذه القطاعات يغيّر موازين القوى لصالح الشارع، لأنه ينقل الضغط من مجرد مواجهة أمنية في الشارع إلى تعطيل مصادر تمويل آلة القمع نفسها.

3. تصعيد القمع وما يرافقه من تصدّعات في القمة

النظام بدأ بالفعل استخدام الرصاص الحي في بعض المدن واقتحام الأحياء واعتقال الجرحى من المستشفيات. استمرار هذا النهج يفتح احتمال وقوع مجازر موضعية، لكنه في الوقت ذاته يسرّع تآكل صورة النظام حتى داخل قاعدته ويعمّق التوتّر بين الأجنحة، بين من يدفع نحو القمع الأقصى ومن يخشى عواقبه على بقاء النظام ككل.

هذه السيناريوهات ليست متنافية؛ فقد نشهد تراجعاً موقّتاً، ثم موجة جديدة أقوى، بالتوازي مع تعميق الإضرابات وازدياد حدّة الصراع داخل مراكز القرار.

ثالثاً: إلى أي اتجاه تسير الأمور؟

المسار العام يمكن تلخيصه في ثلاثة خطوط:

1. من مطلب اقتصادي إلى مشروع تغيير سياسي

نقطة الانطلاق كانت انهيار العملة وارتفاع الأسعار، لكنّ مضمون الحراك اليوم هو رفض شامل لمنظومة الحكم. الناس لا يطالبون بتصحيح سعر الدولار فقط، بل يحمّلون النظام مسؤولية الفقر والفساد والقمع، ويطرحون بوضوح شعار إسقاط الدكتاتورية الدينية، مع رفض الحنين إلى دكتاتورية الشاه. هذا التطوّر في الوعي السياسي يرفع سقف التوقّعات ويجعل أي «إصلاح» شكلي غير مقبول شعبياً.

2. اتجاه نحو مزيد من التنظيم الميداني

طبيعة الهجمات على مراكز القمع، مثل استهداف بعض مراكز الشرطة ومقرات الباسيج، تشير إلى أن جزءاً من الحراك لم يعد عفوياً بالكامل. هناك توزيع للأدوار، اختيار لمواقع حسّاسة، واستفادة من خبرة تراكمت خلال انتفاضات سابقة. كلما تعزّز هذا النوع من التنظيم – عبر شبكات ميدانية ووحدات مقاومة – زادت قدرة الانتفاضة على الاستمرار وتجنّب الاستنزاف.

3. تدويل متزايد للقضية

التغطية الواسعة في الإعلام العالمي، ومواقف البرلمانات واللجان البرلمانية في أوروبا وأمريكا، والتظاهرات المتزامنة للجاليات الإيرانية في العواصم الغربية، تجعل من الصعب على النظام أن يعيد إنتاج سردية «قضية داخلية» بعيداً عن الأنظار. هذا التدويل يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط الحقوقية والسياسية، من بينها الدعوة لقطع العلاقات مع أجهزة القمع وإدراج الحرس ووزارة الاستخبارات على لوائح الإرهاب، وهي مطالب ترد بقوة في خطاب المقاومة وقيادتها.

رابعاً: تداعيات الانتفاضة على النظام

1. استنزاف آلة القمع

نشر قوات الأمن والحرس والباسيج في عشرات المدن يومياً، والتعامل مع تظاهرات ليلية ونهارية، يرهق الجهاز الأمني مهما كان حجمه. تعدّد الجبهات – من البازار إلى الجامعات والأحياء الشعبية – يعني أن النظام مجبر على توزيع قواته وإبقائها في جاهزية عالية، ما يزيد من احتمالات الخطأ والانشقاق والإنهاك.

2. تعميق أزمة الشرعية

حين يضرب بازار طهران – الذي كان تاريخياً من ركائز الأنظمة المتعاقبة – وحين تتحوّل الجامعات إلى مراكز هتاف ضد المرشد والنظام، يواجه الحكم أزمة شرعية لا يمكن إخفاؤها بشعار «مؤامرة خارجية». شرائح كانت تُعتبر صمام أمان أو «وسادة» اجتماعية بين السلطة والشعب، باتت اليوم جزءاً من صفوف الاحتجاج.

3. اتساع الشروخ في قمة السلطة

مع كل موجة جديدة من الاحتجاج، تزداد حدّة النقاش داخل النظام حول مستوى القمع، وحول مدى جدوى الاستمرار في نفس السياسات التي فجّرت الشارع (كالإنفاق الإقليمي والمشاريع النووية على حساب الداخل). الخطاب المتناقض بين من يهدّد بإبادة المحتجّين ومن يحذّر من «سوريا أخرى» يعكس هذه الشروخ ويُظهِر نظاماً قلقاً أكثر من أي وقت مضى.

4. تقوية موقع المقاومة المنظمة والبديل الديمقراطي

كلما تقدّمت الانتفاضة، اتّضح أكثر أن الفراغ السياسي ليس خياراً عملياً؛ هناك حاجة إلى بديل منظَّم وبرنامج واضح لليوم التالي. في هذا السياق، يبرز دور المقاومة الإيرانية المنظمة وخطة مريم رجوي ذات النقاط العشر لإقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على سيادة الشعب، فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل. صدى هذه الخطة في الأوساط السياسية والبرلمانية الدولية يزداد مع كل دورة من دورات الانتفاضة، ما يربط بين نضال الشارع في الداخل والحاضنة السياسية في الخارج.

الخلاصة أنّ الانتفاضة الحالية – مهما كان مسارها التكتيكي في الأيام والأسابيع المقبلة – تركت أثراً لا رجعة فيه: كشفت عمق الهوّة بين الشعب ونظام ولاية الفقيه، وأظهرت هشاشة ادّعاءات «الاستقرار»، ودفعت ميزان القوى خطوة إضافية باتجاه شعب يريد إسقاط الدكتاتورية وبناء جمهورية حرة وديمقراطية على أنقاضها.

السابق
فاتورة المقاومة: ماذا لو قرر لبنان إرسالها إلى إيران؟
التالي
الصحف الإيرانية: من الاعتراف بالخطأ إلى التخوين.. انقسام في الخطاب الرسمي الإيراني تجاه «انتفاضة الأسواق»