تُظهر وثائق نُشرت حديثًا من أرشيف الأمن القومي الأميركي أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قال صراحة، في محادثة سرّية مع الرئيس الأميركي الأسبق، جورج دبليو بوش، عام 2001: “لا يوجد أي شك في أن الإيرانيين يسعون إلى امتلاك سلاح نووي”.
وأكد بوتين أنه أصدر تعليمات للخبراء الروس بعدم نقل أي نوع من المعلومات الحساسة إلى إيران.
ومؤخرًا، نشر أرشيف الأمن القومي الأميركي مجموعة من الوثائق السرّية المتعلقة باللقاءات والاتصالات بين بوتين وبوش، خُصِّص جزء منها بشكل مباشر لإيران وبرنامجها النووي. وقد جاءت إتاحة هذه الوثائق نتيجة دعوى قضائية هدفت إلى فتح المراسلات المصنّفة أمام الرأي العام، وهي تقدّم صورة نادرة وغير مسبوقة عن الحوارات الصريحة، التي جرت خلف الأبواب المغلقة بين القوتين العظميين بشأن إيران.
وفي واحدة من أهم هذه الوثائق، والمتعلقة بلقاء عُقد في 16 يونيو (حزيران) 2001 في سلوفينيا، قال بوتين مخاطبًا بوش: “الخبراء الإيرانيون يطرحون الكثير من الأسئلة حول قضايا حساسة على خبرائنا. لا شك في أنهم يريدون امتلاك سلاح نووي. وقد أبلغتُ أفرادنا بعدم تزويدهم بمثل هذه المعلومات”.
إقرأ أيضا: التحديات الأميركية في نزع سلاح الميليشيات في العراق؟
وتُعد هذه العبارة أكثر تقييم موثّق وصريح مسجّل عن نظرة زعيم الكرملين إلى نوايا إيران النووية في أوائل العقد الأول من الألفية الجديدة.

وأكد فلاديمير بوتين، في المحادثة نفسها، أن موسكو ستقيّد نقل تكنولوجيا الصواريخ إلى إيران، محذرًا من أن بعض الأفراد والشبكات يسعون إلى تحقيق مكاسب مالية من التعاون الحساس مع طهران. كما سأل بوتين الرئيس الأميركي الأسبق، جورج دبليو بوش، عمّا إذا كانت الولايات المتحدة تسير في اتجاه تطبيع العلاقات مع إيران، وهو ما نفاه كلٌّ من بوش ومستشارة الأمن القومي آنذاك، كوندوليزا رايس، واصفين ذلك بأنه “مجرد شائعة”.
وتُظهر وثائق أرشيف الأمن القومي الأميركي أن النظام الإيراني كان في تلك المرحلة أحد المحاور الرئيسة في الحوارات الاستراتيجية بين واشنطن وموسكو. و”شملت نقاشات صريحة على أعلى المستويات بشأن الطموحات النووية الإيرانية”، إلى جانب البرنامج النووي لكوريا الشمالية وتطورات استراتيجية أخرى.
وفي وثيقة أخرى تتعلق بلقاء جمع بوتين وبوش في 16 سبتمبر (أيلول) 2005 داخل المكتب الرئاسي في البيت الأبيض، عاد تركيز المحادثات مرة أخرى إلى مسألة عدم انتشار الأسلحة النووية والتعاون بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن إيران. ووفقًا لنص الوثيقة، قدّم بوتين شرحًا مفصلاً لفهم روسيا لطبيعة البرنامج النووي الإيراني، ولمخاوف موسكو، وللأسباب التي دفعت روسيا إلى المشاركة في مشروع محطة بوشهر النووية.
وخلال الجلسة نفسها، قال بوش بلهجة حادة: “نحن لا نحتاج إلى متطرفين دينيين يمتلكون أسلحة نووية”، وهي عبارة تشير بوضوح، بحسب نص الوثيقة، إلى إيران.
كما تكشف هذه الوثائق عن وجود خلافات تكتيكية بين واشنطن وموسكو، من بينها الخلاف حول توقيت إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي. فقد حذّر بوتين من أن ممارسة ضغوط مبكرة قد تدفع إيران إلى سلوك مسار مشابه لمسار كوريا الشمالية، لكنه شدد في الوقت ذاته على أنه إذا انتهكت طهران القوانين الدولية، فإن إحالة ملفها إلى مجلس الأمن ستكون خطوة مبرَّرة.
وتبيّن مجموعة الوثائق المنشورة أنه في السنوات الأولى التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة، ورغم التقارب الذي شهدته العلاقات الأميركية- الروسية في بعض الملفات، ظلّت إيران وبرنامجها النووي يُشكّلان منذ ذلك الحين أحد مصادر القلق المشترك والمعقّد في العلاقات بين البلدين. وهو قلقٌ يعود، بحسب ما قاله بوتين، إلى الاعتقاد بأن طهران تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، حتى وإن لم تُعلن هذا الهدف بشكل علني.

ما الذي قاله بوتين وبوش عن إيران في لقاء عام 2001؟
في التقرير الرسمي للاجتماع المحدود والثنائي، الذي عُقد بين فلاديمير بوتين وجورج دبليو بوش في 16 يونيو 2001 في قلعة برنو بسلوفينيا، طُرحت إيران بوصفها أحد المحاور الرئيسة في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا.
وبحسب نص “مذكرة الحوار”، ناقش الرئيسان خلال هذا اللقاء “أهم قضايا العلاقات الأميركية- الروسية”، والتي شملت على وجه الخصوص “إيران”، إلى جانب الاستقرار الاستراتيجي، ومعاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية (ABM)، وعدم انتشار الأسلحة النووية، وكوريا الشمالية، وتوسّع حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وخلال مجريات الحوار، عبّر الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بوضوح عن قلقه إزاء إيران، قائلاً: “أنا قلق بشأن إيران. وصول السلاح إلى ذلك البلد قد يضرّكم أنتم أيضًا. في الوقت الحالي، لا أستطيع أن أفعل الكثير”.
وفي ردّه، أشار فلاديمير بوتين إلى طبيعة العلاقات الروسية مع إيران، وقال: “في ما يتعلق بالدول المارقة، لدينا تاريخ معقّد مع إيران. التاريخ مهم. وأنا أعلم أنك درست التاريخ، وبالتالي تدرك مدى أهميته”.
ثم انتقل بوتين إلى مسألة نقل التكنولوجيا، وأعلن: “سأقيّد نقل تكنولوجيا الصواريخ إلى إيران. هناك أشخاص يريدون جني الأموال من التعاون مع هذا البلد في هذه المجالات”.
وفي سياق الحديث نفسه، تطرّق بوتين إلى الشائعات المتداولة بشأن تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، وسأل بوش: “سمعتُ أيضًا أنكم تتحركون في اتجاه تطبيع العلاقات مع إيران، أليس كذلك؟”.
إقرأ أيضا: لقاء نتنياهو وترامب يحسم مصير خامنئي!
لكن بوش نفى ذلك قاطعًا، وأجاب: “هذا غير صحيح. الكونغرس جعل هذا الأمر مستحيلاً تمامًا في الوقت الراهن”.
وعقب ذلك، أشار بوتين إلى اتصالات غير رسمية محتملة، قائلاً إن ممثلين عن الحكومة الأميركية كانوا على تواصل مع مسؤولين إيرانيين. غير أن بوش ومستشارة الأمن القومي آنذاك، كوندوليزا رايس، نفيا هذه المزاعم. وقالت رايس: “توجد مثل هذه الشائعات، لكنها غير صحيحة”.
وأما أهم جزء من الحوار المتعلق بإيران، فقد تمثّل في تصريحات بوتين الصريحة بشأن البرنامج النووي الإيراني. إذ قال: “الخبراء الإيرانيون يطرحون الكثير من الأسئلة حول قضايا حساسة على خبرائنا. لا يوجد أي شك في أنهم يسعون إلى امتلاك سلاح نووي. وقد أبلغتُ أفرادنا بعدم تزويدهم بمثل هذه المعلومات”.

ما قيل عن إيران في اجتماع بوتين- بوش عام 2005
بحسب التقرير الرسمي للقاء، الذي جمع فلاديمير بوتين وجورج دبليو بوش في 16 سبتمبر 2005 داخل المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، احتلّ موضوع إيران وبرنامجها النووي صدارة المحادثات بين الجانبين.
ووفقًا لنص “مذكرة الحوار”، خُصِّص هذا الاجتماع في المقام الأول لقضايا “عدم انتشار الأسلحة النووية” و”التعاون بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن إيران وكوريا الشمالية”. وأكدت الوثيقة أن مواقف الطرفين حيال إيران كانت متقاربة إلى حدٍّ كبير.
وخلال مجريات الحوار، شددت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك، كوندوليزا رايس، على أن واشنطن وموسكو تتفقان على مبدأ أساسي مفاده أن “لا أحد يريد أن تمتلك إيران سلاحًا نوويًا، وأنه يجب القيام بكل ما يلزم لمنع إيران من الوصول إلى هذا السلاح”.
وأضافت رايس أن القلق الرئيس للولايات المتحدة يتمثل في “قدرة إيران على التخصيب وإعادة المعالجة”، مؤكدة أن الوصول إلى مرحلة لا تتمكن فيها إيران من تنفيذ هذه الأنشطة يُعد أمرًا ضروريًا لمنع تحول برنامجها النووي إلى برنامج ذي طابع عسكري. كما أوضحت أن الولايات المتحدة زوّدت الجانب الروسي بتقاريرها حول “الأبعاد العسكرية المحتملة” للبرنامج النووي الإيراني، مشيرة إلى أن بوتين أكد اطلاعه على هذه التقارير.
وفي جزء آخر من النقاش، طُرحت الخلافات حول كيفية التعامل مع إيران. وقالت رايس إن روسيا ترى أن “الوقت لم يحن بعد لإحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي”، في حين شددت الولايات المتحدة على ضرورة أن تتحمّل إيران كلفة سلوكها. وفي الوقت نفسه، أشارت رايس إلى أن الروس طرحوا “أفكارًا مبتكرة” تهدف إلى منع إيران من امتلاك القدرة على تخصيب اليورانيوم.
وفي توضيحه للموقف الروسي، قال بوتين إن القلق الأساسي لموسكو هو أن تؤدي الإحالة المتسرعة لملف إيران إلى مجلس الأمن إلى دفع طهران نحو “سلوك مسار شبيه بمسار كوريا الشمالية”. وحذّر من أنه إذا كانت إيران تسعى بالفعل إلى امتلاك سلاح نووي وخرج الوضع عن السيطرة، فإن ذلك سيطرح تساؤلات بالغة الصعوبة، من بينها: هل ينبغي اللجوء إلى عمل عسكري؟ ومن الجهة التي ستنفّذ ذلك؟ وبالاستناد إلى أي معلومات استخبارية؟
وفي ردّه، قال بوش إن مصدر قلق الولايات المتحدة لا يقتصر على خرق إيران للقوانين الدولية، بل يتعداه إلى كونها وافقت على اتفاقيات، مثل اتفاق باريس، ثم تراجعت عنها لاحقًا. وأضاف أن هذا السلوك الإيراني يقوّض الثقة ويثير قلقًا بالغًا لدى واشنطن.
وخلال استمرار الحوار، طُرح خيار العمل العسكري. وقال بوش: “الخيار العسكري خيار سيئ، لكنه لا يمكن إزالته بالكامل من على الطاولة”.
وأضاف أن امتلاك إيران سلاحًا نوويًا يثير قلقًا شديدًا، لا سيما لدى إسرائيل، مؤكدًا في الوقت ذاته أن المسار الدبلوماسي يجب أن يفضي إلى نتائج ملموسة.
وفي جزء آخر من الوثيقة، جرى التطرق إلى الأنشطة النووية الإيرانية. وقال بوش إنه إذا ثبت أن إيران تقوم بعمليات تخصيب في منشأة نطنز، فإن هذه المنشأة قد تُعد هدفًا محتملاً. وردّ بوتين بالقول إن طبيعة المعدات الموجودة في المختبرات الإيرانية لا تزال غير واضحة بشكل دقيق، وإن تعاون إيران مع شبكات خارجية، بما في ذلك شبكات في باكستان، لا يزال مصدر قلق. وأضاف أنه، وفقًا للمعلومات المتوفرة، “تم العثور على يورانيوم ذي منشأ باكستاني داخل أجهزة الطرد المركزي الإيرانية”.
وفي ختام الأجزاء المتعلقة بإيران، جدّد بوش تأكيده على أن الولايات المتحدة “لا تحتاج إلى أسلحة نووية في أيدي متطرفين دينيين”، واصفًا إيران بأنها دولة كانت تُدار في ذلك الوقت من قِبل مثل هذه القوى. من جانبه، قال بوتين إن انطباعه هو أن إيران قد اتخذت قرارها بالفعل، لكنه اعتبر أن استمرار الحوار بين طهران والدول الأوروبية الثلاث يُعد “إشارة إيجابية”.

