التنظيم المؤدلَج لا يقوم على برنامجٍ سياسيّ بقدر ما يرتكز على عقيدةٍ شاملة، دينية أو قومية أو ثورية…
عقيدة تدّعي امتلاك تفسيرٍ كامل ونهائي للعالم،تقدّمه لأتباعها وخصومها على حدّ سواء، لا بوصفه رأياً قابلاً للنقاش، بل كيقينٍ وحيد.
من هذا اليقين تُنتزع الطاعة الكاملة، طاعة تتجاوز الدولة والقانون، وتلتصق بالهوية الشخصية والأخلاقية، وأحياناً بالوجود نفسه.
الأنظمة المؤدلَجة لا تُنشئ قواعدها البشرية من فراغ، بل من انكسارٍ جماعي أو من شعورٍ بظلمٍ وجوديّ عميق، وتزدهر حيث تفشل الدولة، أو بعد صدماتٍ كبرى كالحرب الأهلية والاحتلال، أو التهميش الطويل وانعدام العدالة.
تدعم هذه الهوية الهجينة غالباً بفكرةٍ خارجية عابرة للحدود، تمنحها شعوراً بالتفوّق والعظمة والاستمرارية.
ترجمة الألم وصناعة التعبئة
تقوم أيضاً بترجمة المفاهيم وفق مصلحتها؛ فالألم يصبح دليلاً، والخسارة فضيلة، والموت استثماراً أخلاقياً.
عندها يُبرَّر الوجع لتسهيل طرح وعود الخلاص في الدنيا أو في الآخرة.
ومن هذه العقيدة الواضحة يُصاغ خطابٌ تعبويّ موجَّه إلى جمهورٍ مستعدّ للتضحية داخل إطارٍ تنظيميّ محكم،
يبني قوته بالنفوذ أو بالسلاح، أو بكليهما معاً.
لكن الأدلجة، مهما بدت متماسكة، لا تعيش خارج الزمن.
ومع مرور الوقت تصطدم العقيدة بالواقع، ويعجز الواقع عن الانصياع للشعار؛ يبدأ التبرير كبديلٍ أسرع وأسهل من الإقناع.
تتحوّل الشعارات إلى أدوات ضبطٍ غير قابلة للنقد والأسئلة، فتصبح الأيديولوجيا عاجزة عن تفسير الخسائر، فتتّسع الهوّة بين الدم المراق والكلمات المكرَّرة، وبين القيادة والقاعدة الشعبية.
قد تجد القيادة نفسها مُجبَرة على تليين العقيدة، أو إعادة تدويرها، أو نزعها جزئياً، لا اعترافاً بالخطأ، بل حفاظاً على البقاء.
حزب الله والمنطقة الرمادية: التآكل والأسئلة
حزب الله اليوم يقف في هذه المنطقة الرمادية، منطقة التناقض والتآكل.
ثمّة صعوبة متزايدة في تبرير الخسائر البشرية، وتضارب صارخ بين خطاب حماية لبنان وواقع توريطه.
وثمّة خطاب تعبويّ تُعاد صياغته بلا أفقٍ جديد، بلا وعدٍ قابل للتصديق، وبلا معنى منطقيّ يُقنع جيلاً جديداً أقلّ استعداداً للموت المجاني.
لم يعد مهمّاً إذا كان الحزب اليوم قويّاً؛ الأهمّ: هل العقيدة ما زالت قادرة على الإقناع؟
هل نحن على مشارف تحوّلٍ في الوعي الشعبي داخل قاعدته؟ هل سنشهد نقاشاتٍ داخل البيئة نفسها؟
أسئلةً بدل الشعارات؟ شكوكاً بدل المسلّمات؟
هل ستعترف هذه البيئة بآلام خساراتها، لا بوصفها أثماناً واجبة، بل مآسي إنسانية؟
هل ستقتنع أخيراً أنّه لا بديل عن الدولة للحماية، وأنّ الكرامة لا تُقاس بعدد البنادق؟
تفكيك طقوس الأدلجة
الأدلجة التي امتدّت أربعة عقود لم تُنتج أفكاراً فقط، بل ممارساتٍ وطقوساً ونمطَ حياةٍ كاملاً.
تفكيكها لا يحتاج قراراً سياسياً بقدر ما يحتاج زمناً من التغيّرات الاجتماعية والنفسية، زمنٍ يعيد ترتيب معنى الشهادة، ومعنى العدو، ومعنى الوطن ببساطة.
العقدة الأكثر قسوة تكمن في أهالي الضحايا؛ فهؤلاء لا يدافعون عن الحزب بقدر ما يدافعون عن معنى موت أبنائهم.
بسقوط العقيدة يسقط التبرير، ويطفو السؤال القاسي:
لماذا مات ابني؟
هذا السؤال، إن لم يُواجَه باعترافٍ وعدالة واحتواءٍ إنساني، قد يتحوّل إلى وقود غضب، لا إلى بداية وعي.
نهاية هذه الأدلجة ستكون عندما تعجز هي نفسها عن تقديم إجابةٍ أخلاقية مقنعة لسؤالٍ قد يُطرَح عليها من بيئتها:
هل كان كلّ هذا الموت ضرورياً؟

