«تهمة الموساد» بين خطاب الممانعة والقانون: من فيديو إسماعيل النجار إلى معنى التحريض على القتل

Ismail Najjar

في لبنان، ليست تهمة «العمالة للموساد» توصيفاً سياسياً عابراً، بل إحالة مباشرة إلى واحدة من أخطر الجرائم في قانون العقوبات: «التعامل مع العدو الإسرائيلي». 

في الوقت نفسه، تنص المواد المتعلقة بالقدح والذم في قانون العقوبات اللبناني على أن نسب فعل جرمي أو ما يمسّ الشرف والكرامة إلى شخص من دون إثبات يدخل في إطار الجرائم الجزائية (قدح وذم وتشهير). 

قضية إسماعيل النجار 

خلال الأيام الماضية، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع مصوَّر للدكتور إسماعيل النجار (الصورة أعلاه)، المعروف بكونه كاتباً سياسياً مقرّباً من خط حزب الله، يتحدّث فيه عن «أشخاص مدرَّبين من الموساد» ويذكر بالاسم ثلاثة: «أحمد ياسين، علي الأمين، ومحمد بركات»، مقدِّماً إياهم على أنهم جزء من استهداف إعلامي وسياسي لبيئته.

هذا الكلام يعني عملياً نسب تهمة «العمالة للموساد» إلى هؤلاء الأشخاص، من دون تقديم أي مستند قضائي أو حكم مبرم، بل عبر منبر إعلامي يصل إلى جمهور واسع، وموجَّه إلى بيئة تعتبر «العميل» عدواً داخلياً مشروع الاستهداف.

على خلفية هذا الفيديو، تقدّم رئيس تحرير موقع «جنوبية» علي الأمين بشكوى قضائية ضد النجار، أمام النيابة العامة، بجرم القدح والذم والتحريض على القتل، وتم تحويل الملف إلى مكتب جرائم المعلوماتية لاستجواب النجار، الذي استُدعي أمس الثلاثاء. 

إنكار واستنكار 

على الفور، علت أصوات مؤيدي حزب الله وقدّمت الاستدعاء للتحقيق على أنه «استهداف لصوت المقاومة». 

أكثر من ذلك، ظهر النجار في مقابلة قبل يوم من استدعائه وهو يقول إنه «لا يعرف علي الأمين» وإنه تعرّف إلى اسمه عبر «غوغل» بعد الدعوى، نافياً أن يكون هاجمه في مقابلة إعلامية، ومرجِّحاً أن يكون الكلام صدر «في جلسة خاصة». 

وهنا، ننشر الفيديو الذي قاله النجار في مقابلة مصورة حرفيا، ورميه تهم العمالة للعدو الإسرائيلي جزافًا. 

لماذا يمكن اعتبار هذه التهمة «تحريضاً على القتل» قانوناً؟

التعامل مع العدو الإسرائيلي في القانون اللبناني ليس جُنحة بسيطة، بل جناية من جرائم أمن الدولة، قد تصل عقوبتها إلى عشر سنوات أو أكثر بحسب الظروف، كما توثّق تقارير وأحكام عديدة صدرت بحق متهمين بالعمالة لإسرائيل.

عندما تنسب إلى شخص علناً، ومن دون دليل قضائي، تهمة كهذه، فأنت تنسب إليه فعلاً يشكّل جناية، وهذا يطابق تعريف «الذم»، وتحريضاً غير مباشر على الاعتداء عليه جسدياً، لأن من يسمع الاتهام قد يشعر أن واجبه «التخلص من العميل».

استخدام تهمة «العميل» أو «الموسادي» في السجال العام ضد معارضين لحزب الله، والإفراط في استعمال هذه التهمة، جعل حزب الله وبيئته يفقدانها جزءاً من معناها الأخلاقي بسبب كثرة استخدامها كسلاح سياسي.

لذلك، عندما تُطلَق تهمة العمالة علناً من دون مسار قضائي منضبط، تتحوّل إلى إعدام معنوي وربما «إذن مفتوح» لأي متطرّف في البيئة الحزبية أو الأمنية كي يتصرّف خارج إطار القانون، بدل ترك الأمر للقضاء والجيش والأجهزة المختصّة.

ما جرى في قضية إسماعيل النجار يقدّم نموذجاً مكثّفاً عن استسهال إلقاء أخطر تهمة ممكنة في لبنان في سياق سجال سياسي، ثم محاولة التعامل معها لاحقاً كأنها «مجرد رأي» أو حتى «حديث جلسة خاصة».

من هنا، يصبح النقاش حول هذه القضية فرصة لإعادة طرح سؤال بسيط لكن جوهري: هل نقبل أن تبقى تهمة «العمالة» لعبةً يومية في الخطاب السياسي، أم نعاملها بما تستحقه من خطورة قانونية وأخلاقية، بوصفها كلمة قد تفتح الباب على القتل فعلاً، لا مجازاً؟

السابق
دبلوماسية التهدئة تتقدّم..وزيارة عون لعُمان تثبّت دعم استقرار لبنان
التالي
سوريا تمنح ترخيصًا لمنظمة تعمل على استعادة «الأملاك» اليهودية