في مقال نشره الكاتب يوسف الخوري عن زيارة “البابا ليو الرابع عشر” إلى لبنان مطلع كانون الأول 2025، كان المقال بشكل عام جيدًا من حيث استعراضه للحدث، لكن هناك فقرة معينة وردت في المقال تثير الجدل ولا تستحق أن تكون جزءًا من التحليل الذي يطرحه الكاتب. الفقرة التي نتحدث عنها هي تلك التي ورد فيها: “لقد استقبل البابا في المطار اللبناني في قاعة 25 أيار، تاريخ ما تسميه السلطات المطواطئة مع حزب الله ‘تحرير الجنوب’.”
من المهم أن أوضح هنا أن الحقيقة ليست كما يذكر يوسف الخوري، إذ أن تلك الفقرة تتضمن رؤية مغلوطة قد تضلل القارئ حول مسألة حساسة تتعلق بتاريخ لبنان السياسي الحديث في تلك المرحلة العصيبة. الكاتب الخوري، الذي يستحضر استقبال البابا في القاعة التي تحمل هذا التاريخ، قد يثير القلق بتأكيده أن استقبال البابا في هذه القاعة لم يكن مجرد احتفال بانتصار أو تحرير كما يتوهم البعض. بل كان، في الواقع، مثالًا صارخًا على تهجير آلاف الجنوبيين المسيحيين واللبنانيين الشرفاء إلى إسرائيل. هذا التهجير كان جزءًا من عملية استبدال السكان وسلطة بسلطة أخرى تخدم مصالح إيران في المنطقة، وهو أمر يبعث على القلق العميق.
زيارة البابا: رمز للوحدة اللبنانية وليس للطائفية
فاستقبال البابا في لبنان كان بمثابة فسحة أمل لكل اللبنانيين عامة وليس فقط للمسيحيين، اما بالنسبة للمسيحيين ليؤكدوا انتماءهم لهذا الوطن، كونهم مكونًا أساسيًا من مكونات لبنان. لكن من المهم أن ندرك أن زيارة البابا كانت تعبيرًا عن الوحدة والتضامن الوطني بعيدًا عن الاعتبارات الطائفية أو المذهبية.
الانسحاب الإسرائيلي: سياق وأسباب غير مفهومة
لكن من الضروري القول للكاتب يوسف الخوري بأن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان كان عملية أحادية الجانب، حيث لم يكن حزب الله على علم بها في ذلك الوقت، بل كان هذا الانسحاب نتيجة لقرار إسرائيلي استراتيجي لترك فراغ في جنوب لبنان. كما أن هذا الانسحاب لم يصاحبه معارك قتال أو احتلال للقرى الجنوبية، وتهجير سكانها بقوة أمر الواقع، بل كان دخول الناس إلى هذه القرى بعد هذا الانسحاب مصحوبًا بفرحة كبيرة للجميع. لقد تم الانسحاب الإسرائيلي من لبنان من خلال عملية عسكرية أحادية الجانب. وبالتالي، فإن سكان بعض القرى الحدودية من مختلف الطوائف قرروا الهروب بعد أن اكتشفوا أن هناك تهديدات خطيرة قد تواجههم نتيجة لتورطهم في قضايا قد تكون شائكة وملفات قد تكون مرتبطة بالدم. هؤلاء الأشخاص الذين فروا إلى إسرائيل لم يُجبروا على ذلك، بل اختاروا الهروب من لبنان، وبعد ذلك قد يكون بعضهم قد تطوع للخدمة في الجيش الإسرائيلي.
العملاء والعدالة: يجب الالتزام بالقانون وتطبيقه بحزم
وفي هذا السياق، لا يمكن الدفاع عن هؤلاء الأشخاص الذين اختاروا التعامل مع العدو الإسرائيلي، لأن العميل يبقى عميلًا لأي دولة كانت، دون الوقوف أمام مذهبه ودينه وانتمائه. سواء كانت دوافعه فردية أو مرتبطة بتورطاته في القضايا الأمنية والسياسية، فإن من اختار البقاء في إسرائيل لم يكن ضحية للظروف، بل كان هذا خيارًا اتخذوه بأنفسهم. وإذا كانوا يريدون العودة إلى لبنان، لكانوا قد فعلوا ذلك بعد مرور سنة أو سنتين أو ثلاثة على الأقل. أما إذا كانوا قد اعتقدوا أن العودة ستكون مصحوبة بمجازر ضدهم، فهذا لا يبرر لهم ترك أرضهم والانخراط في صفوف العدو تحت حجج واهية ليس لها أي حقيقة، والتجربة أكبر دليل على ذلك.
لقد خرج هؤلاء الناس عن لبنان منذ أكثر من ربع قرن، وهم الآن يعيشون في دول أوروبية وأمريكية، في حين أن الذين اختاروا البقاء في إسرائيل قد أصبحوا جزءًا منها، لأنهم اتخذوا هذا القرار بأنفسهم. أبناؤهم اليوم يخدمون في الجيش الإسرائيلي، ولا يمكن إنكار هذا الواقع.
التحديات القانونية والسياسية في معالجة ملفات العملاء والمقاومين في لبنان
من جهة أخرى، يجب أن نؤكد أن الدولة اللبنانية قد تعاملت مع هذه القضايا وفقًا للقوانين الخاصة بها، ولم يكن هناك إصرار على محاكمة كل الأشخاص الذين كانوا متورطين في مثل هذه الأعمال. وفي كثير من الحالات، تم تخفيف الأحكام بحقهم أو سقوط القضايا ضدهم، والجميع قبل قرارات القضاء والتزم بها. وهذا يعني أن القضاء اللبناني قد قام بدوره في تحقيق العدالة، وفي الوقت ذاته يجب ألا نغفل عن دور المقاومين اللبنانيين الذين وقفوا بوجه الاحتلال الإسرائيلي وحرروا الأرض من يده.
لكن، لا بد من الإشارة هنا إلى نقطة مهمة فيما يتعلق بالأحكام القضائية والملفات الخاصة بالعملاء، حيث لا يمكن إغفال حقيقة أن الكثير من أهالي الشهداء والمعتقلين والمقاومين الذين وقفوا في وجه الاحتلال الإسرائيلي، وحرروا الأرض من يد العدو، لم يكونوا مرتاحين لتلك الأحكام. هؤلاء المقاومون لم يكونوا جزءًا من حزب الله كما يظن البعض، بل كانوا جزءًا من جبهة مقاومة وطنية، ولا يمكن لأحد أن ينسى أدوارهم في مرحلة التحرير. أكبر دليل على ذلك هو حالة عامر الفخوي، ابن مرجعيون، الذي كان سجانًا في سجن الخيام، والذي تم إطلاق سراحه من خلال صفقة مريبة، في وقت كان الجميع على علم بها. مثل هذه الملفات تتطلب معالجة جادة بعيدًا عن الشعبوية التي قد تُستغل لتحقيق أغراض سياسية.
العدالة والمصلحة الوطنية: تجنب الشعبوية والاستقطاب الطائفي
في البرلمان اللبناني، يمكن لبعض الكتل المسيحية أن ترفع أصواتها بشكل قوي للمطالبة بسن قوانين تسمح بعودة الأشخاص الذين يُزعم أنهم تم إبعادهم قسرًا، كما يدّعي البعض، وتقديم تشريعات جديدة قد تصب في مصلحة هؤلاء الأشخاص إذا كانوا فعلاً يستحقون العودة. لكن من المهم أن نلاحظ أن بعض الشخصيات التي تروج لهذا الخطاب قد تكون لها مصالح خاصة بعيدًا عن المصلحة العامة. لا يمكن تجاهل أن الكثير من هؤلاء الأفراد قد لا يكونون من الشرفاء كما يُروج لهم في بعض الخطابات، لأن مصلحتهم الشخصية كانت دائمًا في مقدمة أولوياتهم، مما دفعهم إلى ترك لبنان والشريط الحدودي، رغم أن أسرهم وأقاربهم ما زالوا يعيشون في لبنان دون أن يتعرض لهم أحد.
من هنا، لا بد من العودة إلى مؤسسات الدولة اللبنانية والاحتكام إلى قوانينها، وإلى القضاء اللبناني الذي يجب أن يلعب دوره في الفصل بين الحق والباطل. فهناك الكثير من الأشخاص الذين تم محاكمتهم في قضايا إجرامية، ورغم ذلك تم إسقاط الدعاوى أو تخفيف الأحكام، وهذا يجب أن يُحترم لأنه جزء من مبدأ العدالة التي ينبغي أن يسود في لبنان.
الحديث عن هؤلاء الذين فروا إلى إسرائيل وتورطوا مع العدو الإسرائيلي يجب أن يتم بحذر شديد. فلا يجب أن نسمح للخطابات الشعبوية أو الطائفية بأن تستغل هذه القضايا لتحقيق أغراض سياسية. إذ يجب أن نضع مصلحة لبنان أولًا، وأن نبتعد عن استخدام هذه القضايا للفتنة أو الاستقطاب الطائفي.
ويجب أن نتذكر أن ملف حزب الله والسلاح الذي يحمله يتطلب حلاً حكيمًا وواقعيًا، بعيدًا عن الانزلاق إلى خطاب طائفي أو سياسي قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات في البلاد. لابد من تأكيد أن كل الملفات اللبنانية يجب أن تبقى بيد الدولة اللبنانية وحدها، لأن لبنان بحاجة إلى دولة قوية وقادرة على حل جميع مشكلاته الداخلية، بما في ذلك قضية سلاح حزب الله.
وحدة لبنان تكمن في المؤسسات الوطنية
إن الكاتب يوسف الخوري، من خلال طرحه، لا يزال ينتمي إلى فترة دموية مرت بها البلاد في مرحلة الاحتلالات السورية والإسرائيلية للبنان. وقد تم الكشف عن بعض انحيازاته الطائفية والمذهبية من خلال تحليله، لذلك لابد من التعامل بحذر مع مثل هذه الملفات التي لا تزال جروحها غائرة في الواقع اللبناني. لا ينبغي لنا أن نقع في فخ الطائفية المدمرة، بل يجب أن نبحث عن حلول وطنية تتجاوز الانقسامات وتخدم المصلحة العليا للبنان.
في النهاية، يبقى من الضروري أن نتمسك بمؤسسات الدولة اللبنانية، وأن نحترم القوانين التي تضمن العدالة للجميع دون استثناء، مع الإصرار على أن لبنان هو وطن الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الطائفية.

