رسالة الرّصاص جنوباً: ردّ على اسرائيل وإرباك لليونيفل..والحكومة في الواجهة

قوات اليونيفل

شهد الجنوب اللبناني خلال الساعات الماضية تطوراً لافتاً تمثّل بتقاطع ناري بين الغارات الإسرائيلية من جهة، وحادث إطلاق نار استهدف آلية تابعة لقوات اليونيفيل قرب بنت جبيل من جهة أخرى. وبينما أكدت القوات الدولية أنّ ستة رجال على دراجات نارية اقتربوا من الدورية وأطلق أحدهم ثلاث طلقات باتجاهها من دون إصابات، جاءت لهجة بيانها حادة، معتبرة الحادث “اعتداءً غير مقبول” وانتهاكاً مباشراً للقرار 1701، وداعية السلطات اللبنانية إلى تحقيق فوري.

في الوقت نفسه، رصدت اليونيفيل سلسلة من الغارات الإسرائيلية على قرى محرونة والمجادل وبرعشيت، ما وضع الحادثين في إطار مسرح ميداني واحد، تتداخل فيه الرسائل وتتعاظم دلالاتها السياسية والأمنية.

الرسالة الثلاثية من حزب الله

حتى لو لم يعلن حزب الله مسؤوليته عن الحادث، فإن المؤشرات الميدانية وسياسة “الغموض المحسوب” التي يعتمدها تجعل من الصعب فصل ما جرى عن سياق التصعيد الجاري. الرسالة التي التقطتها الأوساط الدولية تبدو ثلاثية الاتجاهات:

1. إلى اليونيفيل: حدود الدور

إطلاق النار على الدورية ليس استهدافاً تكتيكياً بقدر ما هو تذكير استراتيجي. الحزب الذي يتوجس من توسّع مهمات اليونيفيل أو تغيّر قواعد حركتها، يلوّح بخطّ أحمر واضح: لا مساس بالبيئة الحاضنة ولا محاولات لجمع معلومات خارج الاتفاقيات المرسومة. الرسالة هنا ليست لإسقاط القوات الدولية، بل لإعادة ضبط الإيقاع.

2. إلى إسرائيل: الجنوب ما زال مسلّحا

الغارات الجوية التي نفذتها إسرائيل في مناطق انتشار اليونيفيل لم تمرّ بلا ردّ. حتى إن لم يكن الردّ نارياً مباشراً على الجيش الإسرائيلي، فإن خلق توتر مع القوة الدولية يهدف إلى إرباك إسرائيل عبر مشهد ميداني متعدّد اللاعبين، وتعقيد قدرتها على قراءة ما ينتظرها في الساعات المقبلة، فالرسالة هي ان سلاح حزب الله ما زال فاعلا جنوب نهر الليطاني، وتنفيذ القرار 1701 معلق حتى اشعا اخر.

3. إلى الدولة اللبنانية: عدم تجاوز الحزب

برغم أنّ البيان الدولي حمّل الدولة اللبنانية مسؤولية حماية القوات الدولية، فإن الرسالة الأعمق موجّهة إلى الحكومة عشية المفاوضات المباشرة التي انطلقت بين لبنان واسرائيل، التي اثارت جدلا كبيرا بعد قرار رئاسة الجمهورية بترؤس السفير السابق سيمون كرم للوفد اللبناني، ومفاد هذه الرسالة انه لا تفاوض ولا ضبط أمنياً لجنوب الليطاني بمعزل عن الحزب نفسه. وبذلك فان أي خطوة ستُدرس ستكون على وقع ميزان القوى الذي يفرضه الحزب على الأرض، خصوصاً في مرحلة حساسة تتزامن مع اتساع رقعة الاشتباك في المنطقة.

اعادة رسم الحدود

والخلاصة، هي ان ما جرى ليس حادثاً عابراً، بل حلقة في سلسلة رسائل متنقلة بين الأطراف الثلاثة، الحزب، إسرائيل، والدولة اللبنانية. اليونيفيل وجدت نفسها في قلب الاشتباك، والدولة في موقع المتهم بالتقصير، فيما إسرائيل تواصل سياسة القضم بالنار. في المقابل، يعيد حزب الله رسم الحدود الرمزية والعملياتية لدوره جنوباً، في لحظة إقليمية تتسم بالانفجار والتوتر.

الحادث إذاً ليس مجرد ثلاث طلقات، بل إشارة إلى أن الجنوب يدخل مرحلة جديدة من “اللعبة الدقيقة”، حيث كل رصاصة تُقرأ كفقرة من بيان سياسي، وكل غارة تحمل ما هو أبعد من هدف عسكري.

السابق
الدفاع المدني يحذر: إجراءات سلامة أساسية لتفادي الحوادث خلال العواصف وأعياد نهاية العام
التالي
برّي: من غير المقبول التفاوض تحت النار