لم يُشعل القرار العراقي الأخير بتجميد الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة لحزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن الساحة السياسية فحسب، بل فتح باب التأويلات على مصراعيه، وسط تساؤلات عمّا إذا كان العراق يتجه نحو تغيير في تموضعه الإقليمي أو الانخراط في اصطفافات جديدة. غير أنّ مصدرًا سياسيا عراقيًا مطلعًا يوضح لـ«جنوبية» أنّ هذه القراءة «غير دقيقة إطلاقاً»، وأن القرار «إداري وتقني بحت»، يندرج في سياق التزامات العراق الدولية، ولا يعكس أي تحوّل سياسي أو أمني في موقف بغداد من الحزبين المذكورين.
قرار ظهر إلى العلن على غير العادة
القرار الذي نشرته جريدة الوقائع العراقية الرسمية في عددها رقم 4848 بتاريخ 17 تشرين الثاني 2025، صدر عن “لجنة تجميد أموال الإرهابيين” استناداً إلى قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 39 لسنة 2015، وإلى المادة (10/ ثالثاً) من نظام تجميد أموال الإرهابيين. وقد جاء بناء على توصية “مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب” في آذار الماضي.
لكن جوهر الالتباس – وفق المصدر – أن هذه القرارات لا تُعلن عادةً للرأي العام، بل يتم التعامل معها ضمن قنوات تقنية مغلقة. ما جرى هو تسرّبها إلى الإعلام، ما أعطى الانطباع بوجود تصعيد سياسي أو أمني تجاه حزب الله والحوثيين.
قائمة مصدرها خارجي… والعراق ملزم بالتطبيق
تبيّن الوثائق أنّ القرار لا يتعلق بتصنيف عراقي جديد، بل هو تطبيق حرفي لإشعار صادر من السلطات الماليزية، تضمّن لائحة كيانات وشخصيات مطلوبة للتجميد بموجب آليات التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب وغسل الأموال.
المصدر يوضح أنّ العراق ملتزم، بحكم توقيعه على اتفاقية باليرمو وكونه جزءًا من المنظومة الدولية الخاصة بمكافحة تمويل الإرهاب، بتنفيذ قرارات التجميد التي تأتي عبر المسارات الرسمية المعتمدة، خصوصاً إذا كانت مرتبطة بقرارات أممية أو لوائح دول تتعاون مع بغداد في هذا المجال. وبالتالي، فإن عدم تطبيق الإشعار الماليزي كان قد يعرّض العراق إلى مخاطر قانونية وربما عقوبات دولية.
لا تصنيف عراقياً لحزب الله
واحدة من النقاط الجوهرية التي يصححها المصدر هي أنّ إدراج حزب الله والحوثيين في اللائحة لا يعني إطلاقاً أن العراق صنّفهما كمنظمتين إرهابيتين. فالتصنيف العراقي الرسمي يضع داعش والقاعدة على رأس لوائح الإرهاب، أما حزب الله فلم يسبق أن أدرج ضمن قوائم الإرهاب المحلية، ولا يوجد أي مؤشر على نية حكومية للذهاب في هذا الاتجاه.
ويضيف المصدر: «اللجنة تعتمد اللوائح التي تصل عبر القنوات الدولية. العراق لم يُصدر من تلقائه أي قرار باعتبار حزب الله أو الحوثيين منظمات إرهابية، بل نفّذ إشعاراً خارجياً ملزماً وفق الاتفاقيات الدولية».
تجميد بلا أثر… لا حسابات ولا أصول
عملياً، يظهر أن أثر القرار شبه معدوم. فبحسب البيانات التي اطلعت عليها اللجنة، لا يمتلك حزب الله حسابات مصرفية في العراق، لا باسمه ولا باسم أي شخصية اعتبارية أو طبيعية منتسبة إليه. وينطبق الأمر ذاته على الحوثيين. كما لا توجد أصول عقارية أو اقتصادية مسجلة في السجلات العراقية تحت أي تسمية يمكن ربطها بالحزبين.
القرار بالتالي – وفق المصدر – «شكلي وتقني»، الهدف منه استكمال الإجراءات الورقية المطلوبة ضمن نظام الامتثال المالي الدولي، وليس اتخاذ إجراء فعلي يمسّ أموالاً أو أنشطة داخل العراق.
ما وراء الضجة؟
الضجة التي رافقت نشر القرار تعود في جزء كبير منها إلى التوقيت السياسي الحساس في المنطقة، حيث تشهد الجبهات الإقليمية تجاذبات مرتبطة بالصراع في اليمن ومنطقة البحر الأحمر، إضافة إلى التوتر المستمر بين إسرائيل وحزب الله. ولذلك، كل خبر يتعلّق بالأخير يُقرأ سريعاً ضمن سياق الاصطفافات.
لكن في الحالة العراقية، يؤكد المصدر أنّ «المسار المالي شيء، والموقف السياسي شيء آخر». بغداد – بحسب وصفه – لا تزال ملتزمة سياسة التوازن في علاقاتها الإقليمية، ولا ترغب بالدخول في أي مواجهة أو تصنيف قد يستدرج ردود فعل لا تحتملها الساحة العراقية اليوم.

