لم تمرّ زيارة البابا لاون الرابع عشر كحدث عابر على المشهد السياسي اللبناني، بل تحولت إلى نقطة انعطاف واضحة انعكست على مواقف الدولة وسلوك المؤسسات وعلى طريقة مقاربة ملف التفاوض مع إسرائيل في إطار “الميكانيزم”. الزيارة فتحت الباب أمام استعادة الدولة زمام المبادرة، وهو ما ظهر جلياً في خطوة تعيين السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني، خطوة أتت بعد سنوات طويلة من الغياب شبه الكامل للدولة عن طاولة القرار الأمني الحدودي.
فالبيان اللافت للسفير الأميركي ميشال عيسى عكس حجم الرسائل التي التقطتها واشنطن من الأداء اللبناني الرسمي: تثمين لخطوة الحوار، إشادة بوحدة الدولة في استقبال البابا، وتأكيد على أن لبنان أقدم على مسار يعتبره الأميركيون “شجاعاً” في لحظة إقليمية بالغة الحساسية. هذا التلاقي الأميركي–اللبناني ليس تفصيلاً، بل يشكّل الغطاء الأولي لأي مسار تفاوضي يحتاج إلى زخم دولي.
حزب الله بين الصمت السياسي والهجوم الإعلامي
في المقابل، بدا حزب الله في حالة ارتباك واضحة. الصمت السياسي مقابل الهجوم الإعلامي على قرار الدولة، يعكس غياب قرار نهائي داخله بشأن كيفية التعامل مع اجتماعات الميكانيزم. لا إجازة ولا تفويض، ولا مقاربة جاهزة للمرحلة المقبلة. كل ذلك تجمّع في خيار واحد: “اللاقرار”، إلى حين ظهور موقف أمينه العام الشيخ نعيم قاسم غداً.
هذا التريث يُقرأ في سياقين:
– الأول، أن الحزب يدرك أنّ التفاوض هو قرار لبناني رسمي جامع، لا يستطيع نسفه بطريقة مباشرة.
– الثاني، أنه يواجه ضغطاً داخلياً شيعياً غير مسبوق في البيئـة، بعدما باتت كلفة المواجهة والضربات الإسرائيلية تُستنزف يومياً الجنوب وأهله.
تقدم ديبلوماسي وتعثر ميداني
في اليوم التالي للمشاركة اللبنانية الأولى في اجتماع الميكانيزم، شهد الميدان تطوّراً مضاداً: غارات إسرائيلية جديدة، وتحذيرات عاجلة للسكان سبقت الغارات الجوية على محرونة وجباع وبرعشيت ومجادل. الرسالة واضحة: إسرائيل تُوازن بين فتح باب التفاوض وبين الاستمرار في الضغط الميداني لانتزاع تنازلات إضافية على الأرض.
هنا يظهر التباين بين مسار الدولة ومسار الميدان. فعلى الرغم من الدينامية السياسية في بيروت، لا يبدو أن تل أبيب مستعدة لتخفيف الضغط، بل تستخدمه كأداة تفاوضية.
الدولة تستعيد موقعها: اجتماعات مكثفة وقرارات واضحة
في السراي، أطلع السفير كرم رئيس الحكومة نواف سلام على نتائج اجتماع الميكانيزم، فيما أكد سلام أهمية ترؤس كرم للوفد. في بعبدا، عرض قائد الجيش رودولف هيكل التقرير الشهري لخطة حصر السلاح، وهو تطور يعكس دخول الجيش في صلب متطلبات المرحلة المقبلة.
أما سياسياً، فأتت مواقف النائب سامي الجميل لتشدّد على دعم مسار التفاوض وتاريخية الخطوة، داعياً الطائفة الشيعية إلى قول كلمتها، ومؤكداً أن الاستقرار لن يتحقق من دون إقفال جبهة الجنوب نهائياً. وحتى في الضفة المقابلة، لم يخرج النائب فادي كرم عن السياق، إذ وصف التفاوض بأنه “خطوة جريئة” رغم تحفظات “القوات”.
توتر ميداني ورسائل متقاطعة من الخارج
إقليمياً، دخل العراق على الخط بإرباك إضافي بعد نشر لائحة تصنيف “حزب الله” و”أنصار الله” كجهات إرهابية ثم التراجع عنها خلال ساعات. أما إيران فأرسلت دعوة لوزير الخارجية اللبناني لزيارة طهران، في لحظة يبدو فيها أن الملف اللبناني بات موضوعاً تفاوضياً بامتياز بين القوى الإقليمية.
وفي الداخل، كان لافتاً بيان الجيش الذي نفى المعلومات المتداولة حول ولاءات عناصره، في خطوة دفاعية تعكس حساسية الظرف ودقة المرحلة.
لبنان على مفترق: تفاوض يفتح الباب… وغارات تغلقه
بين رسائل البابا، وضغوط واشنطن، وصمت حزب الله، وتصعيد إسرائيل، وعودة الدولة إلى مقعد القرار، يقف لبنان أمام مرحلة غير مسبوقة:
– مسار تفاوضي رسمي لأول مرة منذ عقود
– ضغط عسكري إسرائيلي يومي
– ارتباك داخلي في الحزب الأكثر تأثيراً في القرار الأمني
– عودة المؤسسات الدستورية إلى الإمساك بالخيوط
هذه اللحظة قد تكون الفرصة الأخيرة لفتح باب الاستقرار… أو قد تتحول سريعاً إلى باب أشدّ خطورة إذا فشل التفاوض أو إذا بقي الداخل منقسماً.

