التحوّل السياسي ممكن.. ما يعلّمه أحمد الشرع للبنان اليوم

احمد الشر ع

بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا من الحرب الأهلية والدمار المنهجي، يظهر أحمد الشرع اليوم كرمز للتحوّل السياسي والاستراتيجي في الشرق الأوسط.

ان تجربة الشرع ليست مجرد قصة شخصية لقائد عاش النزاع، بل نموذج حيّ لكيفية إعادة بناء الدولة بعد سنوات من الانهيار، وكيف يمكن للرؤية الواعية والقرار السياسي أن يعيدا صياغة موقع بلد على الساحة الدولية.

تمثل زيارة الشرع الأخيرة إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطوة ذات دلالة رمزية وعملية، إذ تشير إلى قبول دولي متجدد لسوريا الجديدة، وفتح أفق جديد لإعادة الانخراط في العلاقات الإقليمية والدولية بعد سنوات من العزلة والتدمير.

تحت قيادته، شرع الرئيس السوري احمد الشرع في إعادة بناء الدولة السورية من خلال تعزيز المؤسسات، فتح قنوات للاستثمار وإعادة الإعمار، واستعادة الشرعية الدولية.

ان التحول الذي يقوده الرئيس احمد الشرع يدمج بين تجربة الحرب الميدانية والإدارة السياسية الدقيقة، ما يجعل من سوريا نموذجًا نادرًا على مستوى الشرق الأوسط لكيفية تجاوز الماضي وإعادة صياغة المستقبل.

أما لبنان، فإن المشهد فيه يختلف بشكل دراماتيكي فالبلاد اليوم غارقة في أزمة مركبة تتجاوز الاقتصاد إلى العمق السياسي والاجتماعي ،فالدولة اللبنانية تعيش في ظل حرب استنزافية مستمرة مع إسرائيل بسبب تعنّت حزب الله، الذي يُعدّ حجر الزاوية في تعطيل أي مشروع دولة حقيقية فسيطرة الحزب على القرار السياسي والعسكري، واحتكاره لملف السلاح، تجعل أي محاولات للإصلاح أو فرض سيادة الدولة فعالة شبه مستحيلة.

ان تأثير هذا الواقع على لبنان متعدد الأبعاد، فقد ادت الطائفية المتغلغلة، الفساد الإداري المستشري، والسيطرة الحزبية على الدولة إلى شلل مؤسساتي منع أي فرصة للنمو أو الاستثمار، بينما يعيش المواطنون حالة من الانكسار واليأس المستمر.

في الوقت نفسه، تتواصل الهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان و بقاعه ما يزيد من هشاشة الدولة ويجعل الشعب اللبناني رهينة في لعبة صراع لا نهاية لها، حيث يتحول كل نزاع إقليمي إلى أزمة داخلية تؤكد عجز الدولة عن حماية شعبها.

إذا نظرنا إلى سوريا الجديدة بقيادة الشرع، نجد أن الخطوات العملية نحو إعادة الشرعية والانفتاح الدولي تتناقض بشكل صارخ مع الواقع اللبناني ،فبينما استطاع الرئيس السوري احمد الشرع أن يحوّل الدمار والفوضى إلى فرصة، وأن يعيد ترتيب أولويات الدولة على المستويين الداخلي والخارجي، نجد ان لبنان ما زال رهين الهيمنة الحزبية والصراعات الطائفية، ما يحول أي إصلاح إلى مجرد شعار لا يترجم على أرض الواقع.

لبنان بحاجة إلى تجاوز منطق الهيمنة والطائفية، وإعادة بناء الدولة على أسس شفافة

الدروس المستخلصة للبنان واضحة،التحوّل السياسي ممكن حتى بعد سنوات من الانهيار والفوضى، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية، قيادة واعية، ورؤية استراتيجية لإعادة بناء المؤسسات، تحريك الاقتصاد، وإعادة ثقة المواطنين.

لبنان بحاجة إلى تجاوز منطق الهيمنة والطائفية، وإعادة بناء الدولة على أسس شفافة، بعيدة عن أي مصالح حزبية ضيقة، بحيث تصبح الدولة قادرة على حماية شعبها، وضمان الاستقرار، واستنهاض الاقتصاد.

في النهاية، تجربة أحمد الشرع ليست دعوة لتقليد شخص، بل دعوة لتقليد منطق التحوّل،منطق الدولة بدل الجماعة، منطق الشراكة بدل الصراع، ومنطق السيادة بدل الهيمنة.

تجربة أحمد الشرع ليست دعوة لتقليد شخص، بل دعوة لتقليد منطق التحوّل

لبنان اليوم على مفترق طرق،إما أن يستمر في الانغماس بالحروب ،الفساد ،الطائفية والصراعات الداخلية، أو أن يبدأ بخطوات عملية وجريئة نحو بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والسياسية، واستعادة مكانتها على الساحة الإقليمية والدولية.

في نهاية المطاف، لبنان ليس مجرد دولة، بل حضارة عريقة ومنارة الشرق التي جمعت على أرضها التنوع، العلم، الثقافة، والفنون،لبنان الذي حمل على مرّ التاريخ رسالة الانفتاح والحوار والتلاقي بين الحضارات،لبنان ذو الوجه الفينيقي الذي علّم العالم التجارة والبحر والفكر.
التجربة السورية بقيادة أحمد الشرع تعلمنا أن التحوّل ممكن، وأن الدولة يمكن أن تنهض من الدمار إذا توفرت الإرادة والقيادة الواعية.

على لبنان أن يستلهم هذا الدرس، ويجعل من ثروته الحقيقية ،شعبه، تاريخه، تنوعه الثقافي ،قاعدة لبناء دولة قوية، قادرة على حماية هويتها ورسالتها.

لبنان قادر على أن يعود أقوى، جامعًا لكل أبنائه، رمزًا للتنوع والإنسانية

ولكي يكون لبنان بالفعل منارة الشرق، لا بد من دمج كل مكوناته في وطن واحد، بما في ذلك بيئة حزب الله، ضمن مشروع دولة مدنية جامعة تحمي الجميع، وتضع مصلحة الشعب فوق أي مصالح إقليمية ضيقة. يجب أن يتوقف هدر الدم الشيعي، أو أي دم لبناني، لأهداف خارجية وأن تتحول كل الطاقات نحو بناء الدولة، الثقافة، والحياة التي تليق بلبنان حضارة وتاريخًا ومنارة للعلم والحضارة.
لبنان قادر على أن يعود أقوى، جامعًا لكل أبنائه، رمزًا للتنوع والإنسانية، إذا اختار الوحدة والمسؤولية الوطنية بدل الانقسام والصراع الداخلي.

السابق
معركة البقاع الأوسط تشتعل: سيزار المعلوف يناور لتشكيل لائحة ترضي الحزب.. وتحرج القوات والتيار والسنّة!
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة اليوم الثلاثاء 11 تشرين الثاني 2025