منذ أن أطلق حزب الله شرارة “حرب الإسناد” دعماً لحركة حماس في غزّة، بدأ الجنوب اللبناني يعيش على وقع الأسئلة الثقيلة. تساؤلات عامّة الناس، لا النخب، تسكن اليوم وجدان الشيعة الجنوبيين، خصوصاً أولئك الذين لطالما شكّلوا البيئة الحاضنة للحزب.
هل كان قرار فتح الجبهة من الجنوب صائباً أم خطيئة؟
سؤال يتردّد بصوتٍ خافتٍ أحياناً، وبوجعٍ واضح أحياناً أخرى، رغم كل التبريرات التي قدّمها قادة الحزب حينها. فالمشهد الغزّي وما حمله من دمارٍ شاملٍ للبشر والحجر، ترك أثراً عميقاً في نفوس الجنوبيين الذين رأوا فيه مرآةً قاتمةً لمصيرهم إن استمرّت اللعبة نفسها على أرضهم.
منذ تلك اللحظة، بدأ “المزاج الجنوبي الشيعي” يتغيّر. مئات الأسئلة تُطرح يومياً في المقاهي والمجالس والبيوت: ما جدوى حرب المساندة؟ وهل تكفي الشعارات لتبرير الكلفة الباهظة التي يدفعها الناس؟
فالميدان كان واضحاً: إسرائيل أظهرت فائض قوةٍ لا يُقارن، وسّعت نطاق المعركة حتى بلغت الضاحية الجنوبية، فيما بقي الحزب على مسافةٍ محدودة من الحدود، ضمن معركةٍ تشغيليةٍ لم تتجاوز خطوطها الحمراء.
مرّت الأشهر، وتحولت الحرب الكبرى إلى كارثةٍ عمرانيةٍ وإنسانيةٍ لم يعرفها الجنوب حتى في أكثر حروبه قسوة. القرى سُويت بالأرض، والنزوح طال آلاف العائلات، فيما غابت وعود الإعمار، وتاهت الدولة في عجزها.
خوف من تجدد الحرب
اليوم، يعيش الجنوبي بين خوف الحرب المقبلة وقلق الحياة اليومية بعد وقف إطلاق النار، وسط استمرار الغارات الإسرائيلية “المتنقّلة” بلا رادعٍ ولا ردٍّ فعلي.
هنا يتبدّى المزاج الشيعي في أقصى درجاته ارتباكاً وتعباً: بين من يرى ضرورة بقاء السلاح لحماية الأرض، ومن يعتقد أن لا خلاص إلا بوضعه بيد الدولة.
في العلن كما في الخفاء، يتجلّى الإنهاك الجمعي في وجدان الجنوبيين. تعبٌ مزمنٌ من الحروب، ومن دورٍ مفروضٍ باسم “الصراع الأبدي”. فالكثيرون باتوا يهمسون: “كفى حروباً من أجل الآخرين، كفى من أجل فلسطين”، بعدما رأوا أن الفلسطيني نفسه قاتل، وصارع، وفاوض، واتفق مع محتله.
لقد بلغ المزاج الجنوبي الشيعي مرحلةً غير مسبوقة من الإنهاك والحنين إلى الأمان. لم يعد السؤال: من أين يأتي هذا الأمان؟ بل كيف يمكن أن يأتي، ومتى؟ المهم أن تتوقف دوامة الحروب والتهجير وأن يستعيد الناس طمأنينتهم.
الجنوبي اليوم أحوج من أي وقتٍ مضى إلى دولةٍ تعيده إلى نفسه، تعيد إليه ثقته بمؤسساته وجيشه، وتسدّ الفراغ الذي ملأته لعقود حركاتٌ وأحزابٌ ومليشيات باسم “التحرير” و”المقاومة”.
لقد حان الوقت ليتحوّل المزاج الجنوبي من ثقافة الحرب إلى ثقافة الحياة، من وهم الانتصار إلى انتصارٍ حقيقي للأجيال القادمة:
انتصار الأمان والطمأنينة على شعار السلاح.
اقرا ايضا: أوروبا تُحذّر… و«إسرائيل» تُكمل مناورتها على الحدود: سباق بين الحرب والدبلوماسية في ظل «اتفاق ترامب»

