يكرر كثيرون، أمام كل أزمة وطنية مستعصية، اننا “محكومون بالعيش معاً”. رغم أنني لا أجد اقبح من هذا التعبير للدلالة على اهمية هذا العيش المشترك المحكوم علينا به، ارى ان اللبنانيين محكومون على الاقل بأن يفهموا بعضهم بعضاً، كشرط اوّلي للعيش معاً في دولة مركزية واحدة.
قرأت منذ ثلاثة ايام تصريح المفتي الجعفري الممتاز احمد قبلان واحاول ان افهم ما يقول، لا سيما ان المفتي بات يعبّر دورياً عن موقف “الثنائي الشيعي”، الذي يمثّل الأكثرية في الطائفة الشيعية، المعنية مثلها مثل الطوائف الأخرى بمسألة العيش المشترك تحت سقف دولة واحدة.
يقول المفتي الجعفري الممتاز: “اي مفاوضات مباشرة مع اسرائيل ستفجّر البلد”.
افهم من تصريح المفتي ان المفاوضات غير المباشرة مقبولة
لكن المفاوضات المباشرة ليست فقط مرفوضة بل ستفجر البلد.
احاول ان افهم لماذا المفاوضات المباشرة مرفوضة فيما المفاوضات غير المباشرة مقبولة، واقول في نفسي ربما لأنه ليس مستحسنا بالنسبة اليه، لا أخلاقيا ولا سياسياً ولا شعبياً،
التلاقي وجهاً لوجه مع العدو
لكني عندما أتساءل ماذا يعني “مفاوضة غير مباشرة”، افهم بالإستناد الى تجربة مفاوضات ترسيم الحدود البرية، ان ذلك يعني تحديدا “مفاوضات غير مباشرة عن طريق اميركا”. وإذ استذكر تلقائياً ما سبق للمفتي قبلان ان قاله من أن “أميركا شريك إسرائيل الكامل بكل جرائمها وفظاعاتها وإبادتها وإرهابها”، اُصبح فجأةً غير قادر على الفهم، ذلك ان “المفاوضات غير المباشرة عن طريق اميركا” لا يمكن ان تكون فعلياً الا “مفاوضات مباشرة مع اسرائيل”.
واذا كنت في البداية اعتقد ان “المفاوضات المباشرة ستفجر البلد” لأنها ستجري مع العدو الاسرائيلي، بت أتساءل الآن لماذا “المفاوضة المباشرة مع شريك اسرائيل” لا تفجّر البلد، خاصة ان نواف سلام وحكومته متّهمان بتنفيذ الأوامر الاميركية بنزع سلاح “حزب الله”، مما يوسّع الشكوك بالدور الاميركي وخطورة تولّيه تنسيق المفاوضات غير المباشرة؟
اما ما لا استطيع ان أفهمه على الاطلاق فهو انه على افتراض قيام مفاوضة مباشرة مع اسرائيل او مع اميركا، لماذا يجب ان يؤدي ذلك الى “انفجار البلد” بدل أن يؤدي إلى خلاف سياسي حتى ولو كان كبيراً؟ لماذا توقع “انفجار البلد” مع وجود حكومة ومجلس نيابي، اي مؤسسات دستورية لمناقشة الخلافات السياسية، وخاصة ان المفاوضات أكانت مباشرة ام غير مباشرة لا تعني الوصول حكما الى اتفاق، والاتفاق لن يمر بدون توقيع “الأخ الأكبر”، اي رئيس المجلس النيابي المفترض ان يصادق المجلس الذي يرأسه على الاتفاق؟
مخاطر الخلاف مع الثنائي
هل علينا ان نفهم من كل ذلك، كمواطنين، ان كل قرار سياسي مخالف لرأي “الثنائي” سيؤدي حكماً الى “انفجار البلد”؟ ثلاث مقولات، ترددت أخيرا على لسان “الثنائي الشيعي”، تؤكد صحة هذا الافتراض.
المقولة الأولى هي ان تطبيق قرار حصريّة السلاح بيد الدولة، يؤدّي الى حرب أهليّة. أي ان حصريّة السلاح هذه، التي تهدف أساسًا الى منع إستخدام السلاح من قِبَل المواطنين والحرص بالتالي على حل النزاعات من خلال تطبيق القانون وليس من خلال الحروب الأهليّة، هذه الحصريّة نفسها، وبالنسبة “للثنائي”، تؤدّي الى حرب أهليّة، أي الى عكس ما تهدف اليه في جميع الدول الأخرى.
المقولة الثانية هي ان تطبيق القانون يؤدّي الى فتنة، وهذا ما جرى تكراره من قبل “الثنائي وجمهوره”، في الرد على محاولات رئيس الحكومة تطبيق القانون بما يتعلق بحادثة صخرة الروشة. هنا أيضًا، ان تطبيق القانون الذي يهدف الى حل النزاعات المجتمعيّة سلميًّا ومن خلال القضاء، يعتبره “الثنائي” سبباً لفتنة أي الى نزاع وطني دموي.
أما المقولة الثالثة، فهي ان الإنتخابات النيابيّة هي “معركة وجوديّة”. تهدف الإنتخابات النيابيّة في نظام ديمقراطي، الى تأمين إنتقال السلطة بطريقة سلميّة، على أساس ان الإكثريّة تحكم والأقليّة تعارض، مع احترام مبدأ تداول السلطة دون ان يشعر أي طرف بأن وجوده مهدّد نتيجة الانتخابات. فأي معنى ديموقراطي لهذه الإنتخابات إذا تحوّلت الى “معركة وجودية”؟
قيام الدولة..انفجار البلد؟
المقولات الثلاث المتداولة بشكل كبير في اوساط “الثنائي” تعني مجتمعة، وبما لا لبس فيه، ان ما هو مرفوض ويؤدي الى “انفجار البلد”، هو قيام دولة مركزية واحدة، من شروط دوامها، حصرية السلاح بيدها وتطبيق القانون من قبلها، وتنظيم انتخابات نيابية تؤمن تداول السلطة في إطارها بشكل سلمي. حصرية السلاح هي شرط قيام الدولة، وتطبيق القانون هو شرط عملها، والانتخابات هي شرط حكمها، والشروط الثلاثة مرفوضة من “الثنائي” وتؤدي بحسب قوله الى “انفجار البلد”!
من الملاحظ ان القوات اللبنانية اعتبرت هي أيضا الانتخابات النيابية القادمة “معركة وجودية”، ولا أعتقد ان موقف القوات هذا هو فقط مجرد تعبئة انتخابية، بقدر ما يأتي في سياق الشكوك المتعاظمة حول إمكانية قيام الدولة المركزية الواحدة، والتفتيش عن صيغ أخرى للحكم. و”القوات” هي الخصم الرئيسي ل”حزب الله” والمعبّر حالياً عن الاتجاه الغالب في الوسط المسيحي.
فلنقرأ كل ذلك على ضوء تصريحات توم برّاك. سبق للمبعوث الاميركي ان حذّر قائلا:” إذا أراد اللبنانيون دولة واحدة وجيشاً واحداً فعليهم نزع سلاح حزب الله ومنع نشوب حرب أهلية”. وفي حينه سألت: وإلّا أكثر من دولة؟ ها هو برّاك يفصّل موقفه اليوم في تصريح مطوّل، توقف الإعلام عند بعضه واهمل البعض الآخر، الاكثر اهمية. فجرى التركيز على قوله انه ان لم يجرِ نزع سلاح “حزب الله” من قبل الدولة، قد تقوم اسرائيل بذلك عبر عمل عسكري جديد. لكن برّاك ذهب الى أبعد من ذلك، مسترسلاً في توقع سيناريو دراماتيكي: ففي حال حصول ضربة اسرائيلية، سيجد “حزب الله” نفسه مضطرا الى محاولة تأجيل الانتخابات النيابية حتى لا يفقد نفوذه السياسي، مما قد يؤدي إلى حصول انتفاضة شعبية شبيهة بانتفاضة ١٧ تشرين، ترفض شرعية المجلس النيابي الحالي الذي يتمسك به “حزب الله”. كل ذلك سيفاقم من حالة عدم الثقة بالدولة ويفتح الباب امام تدخلات خارجية ويهدد بانهيار مؤسساتي كامل.
يعتبر البعض ان برّاك يكثر من الثرثرة ولا يُعوّل على كلامه لناحية استخلاص الموقف الأميركي الجدّي. لكن بغض النظر عما يريده الاميركيون، أجد في السيناريو الذي يتوقعه برّاك واقعية معقولة نسبةً لتطور المواقف الداخلية المؤثرة، بموازاة العدائية الاسرائيلية المستمرة والمتصاعدة.
اقرا ايضا: بين الجمود النيابي والتصعيد الإقليمي: المسيّرات تجتاح سماء لبنان وترامب يلوّح بتدخّل في غزة

